بنزيف كاد يفقدها الروح، ويمكن أن أخبر هنا بنتائج اختباراتي الخاصة، فقد نفت إدارة الحماية الإسبانية أفراد من اللجنة التنفيذية «لحزب الإصلاح» بشمال المغرب إلى السجن الكبير بمدينة سبتة وكنت ضمنهم، ثم لما ردتنا إلى تطوان حشرتنا في سجن واحد مع المجرمين، وأن أعطيت لنا بعض البيوت الخاصة هناك للنوم بها، وقد أطيلت مدة حبسي زيادة على بقية الأخوان فكنت أسأل المجرمين عن أعمالهم وكانت جماعة من الأحداث محترفة للسرقات، وكان محل إقامتهم في السجن أشبه بمدرسة لتعلم أنواع الجرائم، وحيل السرقات، وكانوا عارفين بأنواع العقوبات يخبر بعضهم بعضا بها، وبمدتها حسب أنواع المسروقات وقيمتها والسوابق عليها، ومن جملة ما أتذكر أن بعضهم كان لا يسرق من أحياء المسلمين. لأنه متى قبض عليه هناك صار إلى حوزة الباشا، والباشا كان يضرب السراق، فكان يسرق من أحياء الأوربيين ويقولك أنه متى قبضه البوليس أخذوه «للكومسيرية» أي مركز الحراس» فأقر بكل ما سرق حينا، فلم يضرب، وبهذا نعلم أن التساهل مع المجرمين إلى حد كبير ليس في صالح المجتمع، ولا في صالحهم أيضا، فالحدود زاجرة، وهذا هو نظر أئمة المسلمين المشبعين بروح الشريعة وقواعدها يقول أبو يوسف في كتاب «الخراج» مخاطبا «هرون الرشيد» ولو أمرت بإقامة الحدود لقل أهل الحبس ولخاف الفساق وأهل الدعارة، ولتناهوا عما هم عليه، وإنما يكثر أهل الحبس لقلة النظر في أمرهم إنما هو حبس، وليس نظر، فمر ولاتك جميعا بالنظر في أمر أهل الحبوس في كل أيام فمن كان عليه أدب أدب وأطلق، ومن لم يكن له قضية خلي عنه، وتقدم إليهم -أي على عمالك- أن لا يسرفوا في الأدب، ولا يتجاوزوا بذلك إلى ما لا يحل ولا يسع، فإنه بلغني أنهم يضربون الرجل في التهمة، وفي الجناية الثلاثمائة والمائتين، وأكثر وأقل .. مما لا يحل، ولا يسع. ظهر المومن حمى إلا من حق يجب بفجور أو قذف أو سكر، أو تعزير لأمر أتاه لا يجب فيه الحد، وليس يضرب في شيء من ذلك كما بلغني أن ولاتك يضربون. وأن رسول الله (ص) نهي عن ضرب المصلين إلى من يقول: (ومعنى الحديث عندنا، والله أعلم، انه نهى عن ضربهم من غير أن يجب عليهم حد يستحقون به الضرب، وهذا الذي بلغني أن ولاتك يفعلونه ليس من الحكم والحدود في شيء.
ثم روى بسنده عن النبي (ص) أنه قال: (حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا) .. ثم نقل عدم جواز الشفاعة في الحدود، وإنها تدرا بالشبهات ما أمكن وأن القاعدة العمة هي أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة.
وبعد: فهذه الإجراءات تعتبر نوعا من العلاج لإصلاح المجرمين، وهناك نوع آخر يعتبر وقاية للناس من أفات الجرائم والمخالفات والمماطلات، ومن كل أنواع الخصومات التي تشغل المحاكم، وتملأ السجون، وهذه الوقاية هي التربية الدينية الإسلامية الخالصة فالتربية وتقويم أخلاق الشخص تجعل سلوكه مستقيم فلا يعمل ما يستحق به العقوبة والسجن ولا يسعى في غصب أموال الناس وما شأنه ذلك .. وعوضا عن اتخاذ الوعاظ للمجرمين بعد أجرامهم ودخول السجن ينبغي أن تتعاون مختلف الهيئات على إرشاد الناس وتربيتهم تربية دينية قرءانية بعم نفعها ويتأصل في النفوس خيرها، وبذلك تتزكى الأمة، ولن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها والله ولي المتقين.