تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسلمين في وثاق لا يستطيع أن يصلي قائما ولا يبيتن في قيد إلا رجل مطلوب بدم (أي أرتكب جريمة قتل) وأجر عليهم من الصدقة ما يصلحهم في طعامهم وأدامهم والسلام فمر بالتقدير لهم ما يقوتهم في طعامهم وصير ذلك دراهم تجري عليهم في كل شهر يدفع ذلك إليهم فإنك أن أجريت عليهم الخبز ذهب به ولاة السجن والقوام والجلاوزة، وول ذلك رجلا من أهل الخير والصلاح يثبت أسماء من في السجن ممن تجري عليهم الصدقة وتكون الأسماء عنده ويدفع ذلك إليهم شهرا بشهر ويدعو باسم رجل رجل ويدفع ذلك إليه في يده فمن كان منهم قد أطلق وخلى سبيله رد ما يجري عليه، ويكون للأجراء عشرة دراهم في الشهر لكل واحد وليس كل من في السجن يحتاج إلى أن يجري عليه، وكسوتهم في الشتاء قميص وكساء، وفي الصيف قميص وأزار، ويجري علي النساء مثل ذلك، وكسوتهم في الشتاء قميص ومقنعة (وهي ما تغطي به المرأة رأسها) وكساء وفي الصيف قميص وإزار ومقنعة، انتهى المراد، وقد نصت رسالة عمر هذه على أن النفقة على المسجونين تكون من الصدقة إي الزكاة إلا أن أنا يوسف جعل الإنفاق على المسجنونين من الصدقة أو من بيت المال أي خزينة الدولة العامة متساويا ومخيرا فيه على حسب اجتهاد الإمام، وقد نقل «جرجي زيدان» في كتابه تاريخ التمدن الإسلامي لائحة تتضمن ما ينفقه بيت المال في بغداد في السنين الأولى من خلافة المعتضد العباسي 279هـ من جملتها تخصيص خمسين دينارا في اليوم الواحد لنفقات المسجون وثمن أقوات المحبوسين هذا بعض ما يتعلق بحالة المسجونين المادية، أما من ناحية بواعث المخالفات واثر الزواجر عنها وهي التي تهم حديث الوعظ الديني فللإسلام نظر خاص فيها حيث يرى أن قلة الجرائم منوطة باعتماده حتى تستريح لأمة من ويلات كثرة المخالفين للقوانين وتستريح حزينة الدولة من النفقات الباهظة التي تثقل كاهلها حسبما يأتي عن الإمام أبي يوسف.

ولا بد من التذكير هنا بأن قواعد التشريع الإسلامي التي عمل بها الخلفاء الراشدون ومنهم عمر أبن عبد العزيز في عنفوان الخلافة الإسلامية، ثم من بعدهم هي مستقة من صميم العدل الذي أمر به القرءان، ومن الأحاديث الثابتة عن رسول الله (ص) فنجد مثلا أن الرسول قال: دخلت امرأة النار في هرة أي قطة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها أي تركتها تأكل من خشاش الأرض، أي حشراتها، فيفهم من الحديث أن من حبس بني آدم الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلف تفضيلا، وسجنهم ومنعهم مما تستلزمه حياتهم من طعام، وشراب ومسكن صالح لابد أن يعاقبه الله على ظلمه وجوره كما عاقب حابسة الهرة بل هو أحق بالعقاب.

هذا إذا كانوا مستحقين للسجن والحبس، أما إذا لم يكونوا مستحقين لذلك، فيكونون مظلومين ظلم الحبس بغير حق، وظلم المنع وعدم تقديم ما يلزمهم من الطعام والشراب والكسوة وإيوائهم في مكان ضحى صالح .. ويمكن أن تلك التشريعات الإسلامية المتعلقة بالسجون خولفت في بعض العهود الإسلامية من بعض الظالمين، ولكن قواعدها لا يمكن أن ينكرها مسلم، وهي سابقة على التفات أوربا لإصلاح السجون ومعاملة أهلها بمدة طويلة تزيد على عشرة قرون.

فمن المعلوم أن أول من وهب حياته وماله للسعي في إصلاح السجون بأوربا هو «جون هاورد» الانجليزي المتوفى في أواخر القرن الثامن عشر بعد أن أسره قرصان فرنسا وبين مع رفاقه وعذبوهم وحرموهم من الخبز والماء مدة 48 ساعة، وسجنوهم في إحدى المدن وبقوا بها جائعين إلى أن ألقى لهم ذات يوم قطعة من اللحم النيئ فتكالبوا عليها نهشا كجياع الذئاب، فقد كانت في انكلترا نفسها النساء توسع مع الرجال في قبو واحد، ولم تكن لبعض الغرف منافذ للهواء وللضوء حتى كانت الحمى تجرف من جموعهم العشرات بعد العشرات وكانت رواتب السجانين والحراس تستوفي من المتهمين والأبرياء حتى أن من كان بريئا يرد إلى السجن حتى يؤدي واجب السجان، فبعد أن سعى سنوات في إصلاح سجون انجلترا ساح باحثا متنقلا، قطع في رحلاته 42 ألف ميل في مختلف أنحاء أوربا ونشر مجلد ضخما عن أحوال السجون، وقد كتب من موسكو أنه مات في المستشفيات العسكرية من جراء القسوة والظلم ما لا يقل عن 70 ألف جندي في سنة واحدة، وقد قر عينا في آخر حياته بمشاهدة نتائج مساعيه الحميدة، ولا بأس هنا بالإشارة على آثار نظرية القصاص في تخفيف الجرائم، فإن كثيرا من الناس صاروا يرون أن السجون يجب أن تتوفر فيها وسائل الراحة والتسلية وتصبح مدارس علمية، ومصانع لمختلف الأشغال والإنتاج، ونحن نقول أنها بذلك لم تبق زواجر تمنع المنحرفين من ارتكاب الجرائم، ولذلك كثر رواد السجون حتى عدوا بشعرات الآلاف في بعض الأمم، وأصيبت ميزانية الدولة بسبب كثرة نفقاتهم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٥١