تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 9

السجون بين التشريع الإسلامي والحديث

للأستاذ: محمد الطنجي

نظام السجون أصبح من التشريعات الاجتماعية في مختلف الأمم لأن كثرة المنحرفين من بني الإنسان تستدعي عناية خاصة بهذه المجموعة من بني البشر.

ولكل قوم تشريعهم، ونحن معاشر المسلمين كان لأسلافنا نظر خاص في هذه المشكلة الاجتماعية ينبغي لكل مسلم أن يلتفت إليه ليسلك فيها السبيل الأقوام.

فالسجن مذكور في القرءان والإسلام كما هو معلوم دين عقيدة وقانون ودولة وخلافة ومع ذلك فرسول الإسلام (ص) إنما كانت همته في تبليغ الشريعة وتربية الأمة تربية دينية تربي في نفوس المسلمين الوزاع الديني الذي يزعهم ويمنعهم من ارتكاب الجرائم وأخذ حقوق الناس أو أكل أموالهم بالباطل فبني المساجد وحض على بنائها لعبادة الله وتعليم المومنين ووعظهم فيها، ولم يتخذ أي سجن مدة حياته، وكذلك خليفته أبو بكر الصديق إلى أن كانت خلافة عمر وكثرت الفتوح الإسلامية وانتشرت الرعية فحينئذ اشترى عمر دارا بالمدينة وأتخذها سجنا، وكان يقصد بالحبس الشرعي توقيف الشخص ومنعه من التصرف بنفسه بأية وسيلة، قال الحافظ أبن القيم في كتابه «الطريق الحكمية»: الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجدا أو كان يتوكل الخصم أو وكيله عليه وملازمته له ولهذا سماه النبي أسيرا كما روي أبو داود وأبن ماجة عن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال أتيت النبي (ص) بغريم لي فقال لي ألزمه ثم قال يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك وفي رواية أبن ماجة ثم مر بي في آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم، ثم قال أبن القيم وهذا كان هو الحبس على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر رضي الله عنه، ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها، ولهذا تنازع العلماء من أصحاب احمد وغيرهم هل يتخذ الإمام حبسا على قولين، فمن قال لا يتخذ حبسا قال لم يكن لرسول الله صلى لله عليه وسلم ولا لخليفته بعده حبس ولكن يعوقه (أي الخصم) بمكان من الأمكنة أو يقام عليه حافظ وهو الذي يسمى الترسيم أو يأمر خصمه بملازمته كما فعل النبي (ص) ومن قال له (أي للإمام) أن يتخذ حبسا قال قد اشترى عمر بن الخطاب من صفوات بن أمية دارا بأربعة ألاف وجعلها حبسا، انتهى كلامه.

ويظهر لمن تتبع مجاري الأحوال أن عدم اتخاذ الرسول وخليفته أبي بكر للحبس كان لقلة الحاجة إلى ذلك لعدم المخالفين المستحقين للسجن، لأن وجود الرسول وهيبته في قلوب المومنين كانت صارفة للقوم عن كثرة المخالفة وكذلك الحال في زمن أبي بكر مع قلة مدة خلافته، بخلاف الحال في عهد عمر حيث كثرت الفتوح وأرسيت قواعد الخلافة الإسلامية في كثير من الأقطار، فقد كانت عادة الصحابة أن لا يتشاوروا في الأحكام إلا للحوادث الجارية وكذلك يقال هنا لم يتخذ عمر السجن إلا للحاجة إليه، وهكذا استمرت الحاجة من بعده، وشرعت للسجون التشريعات، ومن ذلك رسالة عمر بن عبد العزيز التي تعتبر عمدة في هذا الموضوع فقد روي أبو يوسف في كتاب الخراج الذي رضعه لهرون الرشيد، عن جعفر بن برقان قال كتب إلينا عمر بن عبد العزيز لا تدعن في سجونكم أحدا من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٥٠