أما محمد رسول الله (ص) فلم يأت بشيء من هذه المعجزات بالذات، بل لم يكن هذا النوع من المعجزات المغلقة على العقل هو الأساس في دعوته، ومع ذلك لم يلبث عرب الجزيرة أن اجتمعوا عليه في حياته، ثم لم يلبث العالم من حولهم أن اجتمع على أصحابه من بعد وفاته.
فما هو السر في ذلك الذي حير الألباب؟
وما هو ذلك العجب العجاب؟
السر في ذلك أنه دعوة إلى الحياة على أسس جديدة تكفل الحياة في أمن وسلام بعد أن تعب المفكرون في البحث عن هذه الأسس.
والجواب على ذلك: لا سر يحير الألباب، ولا عجب فيه عجاب، فقد قال الله سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» لقد كان الإسلام دعوة عامة إلى الحياة على أسس جديدة تكفل هذه الحياة في آمن وسلام، بعد أن تعب العالم فيها في ظل الحضارات القديمة، كما تعب فيها اليوم أيضا في ظل الحضارات الجديدة، فطغى القوي على الضعيف، وتنكر الإنسان لأخيه الإنسان، وأصبحت حياة كل من الأفراد والجماعات عرضة في كل يوم إلى طغيان أحدهما على الآخر، وإلى هزات: تارة كانت تقضي على حياة الفرد، وتارة كانت تقضي على نظام الجماعة، وأصبحت حياة الفرد بصورة خاصة عرضة: تارة إلى طغيان القيادة الفردية واستغلالها، وتارة إلى فوضى الجماعة في نظامها، وفي كلا الحالين أصبحت حياة الفرد والمجتمع في جحيم مقيم.
ولذلك أخذت العقول المفكرة منذ القديم قبل الإسلام تتسابق في البحث في كل أمة وفي كل زمان - عن المبادئ التي يجب أن تسود، وعن الأنظمة التي يجب أن تبتكر لإقامة حياة سعيدة وأمينة، وبعيدة كل البعد عن جحيم الطغيان، وفوضى النظام، وغير مفرقة في الحق في الحياة بين إنسان وإنسان.
وقد اتبع المفكرون سبلا مختلفة للوصول إلى سعادة الإنسان، فتفرقت بهم السبل، ولم يهتدوا إلى سبيل سوية جامعة، بل عالجوا على الدوام ناحية فقط من نواحي الحياة غير شمول لسائر النواحي، وكثيرا ما ضل الباحثون عن الطريق حتى في تلك الناحية غير الشاملة، فلم تشف المعالجة في المجتمع من أسقام، إلى أن صاح فيهم الإسلام: «وأن هذا صراطي مستقيما فأتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون».
فما هي تلك السبل التي ضلت فيها الإنسانية ففرقت بين أبنائها؟
وما هو ذلك الصراط المستقيم الذي دعا إليه الإسلام ليجمع شمل الجميع؟؟
هذا هو ما نريد أن نتحدث فيه هذه المرة، سائلين الله، العون والسداد.
مجمل المبادئ القديمة والحديثة لمعالجة مساوئ الحياة؟
منذ القديم ظهرت فكرة العودة إلى مبادئ الطبيعة لدى الصين واليونان والرومان لمعالجة مساوئ الحضارة حينذاك، وما قد انبعثت عنها من طغيان القادة أحيانا، أو فوضى الجماعة في الحياة أحيانا أخرى، وكانت الدعوة إلى العودة لمبادئ الطبيعة والحياة الطبيعية إنما هي لصيانة حياة الفرد والجماعة في آن واحد.
ومنذ القديم بشر الفلاسفة والمفكرون بفكرة الديمقراطية والدعوة إليها في كل من اليونان والرومان لمعالجة طغيان الطبقات أو طغيان الحاكمين.
وفي عصورنا الحديثة ظهرت أيضا مبادئ وأنظمة جديدة، وكلها ردة على وضع سيء، وقد حاول أصحاب كل مبدأ ونظام أن يعالجوا، بما ابتكروه من مبادئ وبما دعوا إليه من نظام، ما هم فيه من وضع غير إنساني، طلبا لوضع سليم مثالي.
وهكذا طغت مبادئ الحرية والعدالة والمساواة منذ الثورة الفرنسية الكبرى في أواخر القرن الثامن عشر، وكان من آثارها أن قضت نهائيا على نظام الإقطاع في أوروبة، وأخذت الأنظمة الجديدة تتكون حول تلك المبادئ تحت شعارات مختلفة كان أبرزها الديمقراطية والاشتراكية.