تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع2 /نوفبر 1961 .................... ص 2

مبادئ الإسلام الدستورية في نواحي الحياة

للدكتور معروف الدواليبي

ظهور الإسلام وانتشاره السريع:

ظهر الإسلام منذ أربعة عشر قرنا وفي أعالي القرون الوسطى، في جزيرة العرب الوثنية المترامية الإبعاد، وعلى أطراف دولتي العالم حينذاك: فارس والرومان، وقد استقر لهاتين الدولتين السلطان والسيادة من غير منازع لهما من غيرهما.

وإذا بالإسلام ينشر بعد مرحلة تأسيس دامت عشر سنوات في جميع ملايين جزيرة العرب على سعة أطرافها، وتباين نزعاتها، وقوة شكيمة أصحابها، رغم رسوخ الوثنية فيهم، ودفاعهم عنها بكل ما عز لديهم.

وإذا بالإسلام يوحد لأول مرة بين هذه القبائل الصلبة العود، ويجمع شملهم، ويلم شعثهم، ويجعل منهم أمة عربية واحدة، صارخا فيهم: «أن هذه أمتكم أمة واحدة» بعد أن كانوا قبائل أشتاتا.

وإذا بالإسلام ينفخ فيهم روحا من روح الله: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله»، ويجعل خيرهم وفضلهم على الناس فيما حملوا من خير للناس لا في عنصرية تضع تقلهم فوق رقاب الناس.

ثم لم يخرج الإسلام من جزيرة العرب حتى قوض دولتي العالم الفارسية والرومانية في فارس ومصر وبلاد الشام، وأصبح على أبواب الهند والصين في مدة لا تتجاوز عشر سنوات، ومن ثم فتحت له الأبواب ليغزو بعقائده العالم في كل مكان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.

وهكذا انتشر الإسلام بسرعة لم يعهد التاريخ لها مثيلا في تاريخ الأديان، وتحير العلماء والمؤرخون في تفسير أسباب هذه السرعة التي لم يعرفوا لها نظيرا.

ما هو السر في سرعة انتشاره؟

فهل من أسباب هذه السرعة في انتشار الإسلام سلطان عروبة صاحب هذا الدين؟ .. كلا فإن العرب حين ظهور الإسلام لم يكونوا إلا قبائل أشتاتا، ولم يكونوا بالنسبة إلى دولتي العالم حينذاك فارس والرومان شيئا مذكورا.

وهل من أسباب هذه السرعة في انتشار الإسلام معجزاته الخارقة، ومعجزات أصحابه الحاسمة؟ كلا، فقد ألقى إبراهيم في النار، وانقلبت النار عليه بردا السحرة في مصر فإذا هي تلقف ما يأفكون، وضرب بها البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وأنجى الله موسى ومن معه أجمعين، ثم أغرق الآخرين، وإذا بيني إسرائيل أنفسهم لم يلبثوا أن عبدوا في غيابه العجل وهم ظالمون. وكذلك جاء عيسى فخلق من الطين كهيئة الطير، ونفخ فيه فكان طيرا بإذن الله وأبرا الأكمه والأبرص، وأحبا الموتى بإذن الله، فلم يزد خراف بني إسرائيل الصالة كما سماهم السيد المسيح إلا ضلالا، فحكموا عليه بالصلب، وسلموه لحاكم القدس الروماني لينفذ الحكم، متهمين السيد المسيح بأنه جاء يثير بني إسرائيل على الرومان، ويدعوهم للخروج عليهم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٤٣