الثقافة شرقا وغربا ينشرون الهدى والمعرفة ويردون الشعوب الضالة إلى الحق والفضيلة والأخوة، ولعل سر نجاح الأولين أنهم كانوا يؤمنون بأنفسهم إيمانا عميقا جعلهم ينطلقون إلى أهدافهم كالقذائف، فكان النصر دائما حليفهم.
نحن اليوم تسودنا دعوة آثمة إلى نبذ كل ما هو عربي لأنه عربي والتعلق بكل ما هو أجنبي لأنه أجنبي، ومن ثم فقد أصبحنا نلبس ما ليس لنا، فنبدو في مظهر من الغرابة لا نظير له، مظهر يستدر الرثاء حينا والسخرية حينا آخر ... قال له صاحبه وهو يحاوره: إنه ليس هناك ما يسمى بثقافة عربية .. والمسألة لا تعدو أن تكون اسما قد انتزع من اللغات الأجنبية واستعمل عندنا في غير مدلول ظاهر كما استعملنا أسماء أخرى كثيرة ليس لها مسميات، وكان صاحب هذه العبارات ذا نصيب من الثقافة الأجنبية لا يكاد يعدو نصيب من اغترف بيديه غرفة من ماء فخانته فروج الأصابع وهو لا يدري، ولم يكد يتم عباراته هذه حتى لوى لسانه متمتما ببعض كلمات من فرنسية عرجاء مستغلا جهل صاحبه بالفرنسية، وإذ ذاك استغرق صاحبه في ضحكات ساخرة من ذلك الذي يجهل لغة آبائه وأجداده ثم هو يدل عليه بما يعرف من لغة الغير أو ثقافته.
فمشكلتنا في الحقيقة هي مشكلة الرواسب الاستعمارية الفكرية قبل أن تكون مشكلة الثقافة نفسها، ولذا فعندي أنه ينبغي ألا يسمح بالاتصال بالثقافات الأجنبية إلا للراشدين فكريا الذين يستطيعون أن يحكموا عقولهم إزاء ما يتناولون من ثقافة الغير، أما الذين يجهلون قيمة ما لدينا من تراث ثقافي فإن الخطر كل الخطر في أن يفتحوا عيونهم بادئ ذي بدء على ثقافة أجنبية أيا ما كانت منزلة تلك الثقافة، لأن النتيجة المحتومة هي أن تتوافر لدينا جماعات من الشباب تتنكر لتراثنا الفكري عن جهل به، وتحارب مقوماتنا طبقا لما تلقنته من أولئك الذين نصبوا أنفسهم منذ قرون للقضاء على ثقافتنا وعلى مقدساتنا ثم طمس كل ما يستدل منه على أننا أمة قد أشاعت الحضارة يوم أن كان العالم أجمع يغط في سبات عميق من الجهالة الجاهلة ومن الانحراف المعوج، إننا لا نهدف إلى أن نغلق علينا مجتمعنا فنكون بمعزل عن التيارات الثقافية المختلفة لا نأخذ منها ولا نفيد من جوانب الخير فيها .. كلا، بل نريد أن نفتح عيوننا جيدا ونتناول ما نتناول بحذر كبير .. فالكنيسة الكاثوليكية مثلا تشرف إشرافا يكاد يكون مباشرا على توجيه الثقافة في كل دول أوربا أو معظمها اليوم، وليس من شك في أن ثقافة كنسية كهذه ليست مما يلائمنا كأمة مسلمة وبالتالي ليست مما نحتاج إليه، ومن ثم كان على قارئ هذه الثقافة أن يقرأها وهو متيقظ لما تشتمل عليه العبارات والكلمات من مطاعن على الإسلام قد لا تكون صريحة في كثير من الحالات وإنما يحتاج إدراكها إلى شيء كبير من الروية وإعمال الفكر لأن الدافع الذي حدا بالشعوب المسيحية أن تشن على الإسلام والمسلمين حروبا صليبية في الماضي ما يزال قائما وإن تكن الحروب قد اتخذت لها ميدانا آخر ومظهرا آخر كذلك .. أقول هذا بعد أن فرغت من قراءة كتاب بعنوان (الرجل والمرأة) للكاتب الاسباني (خوسي ماديا كابوديفيا)، والكتاب دراسة حول الزواج والحب الإنساني كما أنه ضمن مجموعة الكتب التي تشرف عليها الكنيسة في اسبانيا إشرافا مباشرا، هذا وقارئ الكتاب يستطيع أن يتبين بين صفحاته مطاعن على بعض جوانب الشريعة الإسلامية ولاسيما فيما يتصل بتعدد الزوجات وبالطلاق، ولن تجد هذا صراحة في الكتاب ولكنك تستطيع أن تصل إليه من فحوى العبارات ومن الحديث عن الرابطة الإلهية التي تربط بين المرأة والرجل، ولا يمكن الإنسان حلها على حد تعبير المؤلف، هذا وكثير من الكتب غيره تلقى إلينا باسم الثقافة وهي في نفس الوقت جزء من حملة مدبرة منظمة ضد الإسلام وتعاليمه.
وبعد فما الثقافة التي نحتاج إليها؟ إن الثقافة التي نحتاج إليها هي كل ثقافة لا تتعارض والمبادئ الإسلامية السامية، هي الثقافة التي تبني المجتمع على أساس من الحب المتبادل ونكران الذات والتعاون بين أفراد الأمة على أساس تكافؤ الفرص للجميع وليس