تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 .................... ص 63

الثقافة التي نحتاج إليها

للأستاذ محمد الأمين محمد

نجتاز اليوم مرحلة دقيقة من مراحل حياتنا الثقافية، وتغمرنا تيارات متباينة من القلق حينا والإشفاق حينا آخر .. القلق من الواقع، ثم الإشفاق من المستقبل، ولعل مرد هذا القلق وذلك الإشفاق يرجع إلى ما نحس به من التخمة الثقافية التي أخذت علينا كل مسالكنا الفكرية والشعورية فأصبحنا لا ندري ماذا نأخذ وماذا ندع، يستهوينا هذا اللون من الثقافة تارة فنتهافت عليه تهافت الفراش على النار، وننكر ذلك اللون تارة أخرى فنصدف عنه، ونحن في إعجابنا بهذا وإنكارنا لذلك لا نحكم غير أذواقنا وأمزجتنا، ولا نكاد نحسب أي حساب لمقومات مجتمعنا الذي نعيش فيه، ولا لمقتضيات البيئة

التي تحيط بنا، بل ولا الدين الذي نعتنقه، ومن ثم فقد أصبحت ثقافتنا كثوب ضم سبعين رقعة مشكلة الألوان مختلفات، أي أن ثقافتنا ليست صورة صادقة لنا، وليست تعبيرا دقيقا عنا كمسلمين توجهنا شريعة إسلامية ويسوسنا قرآن.

لقد تفتحت عيوننا منذ مطلع هذا القرن أو قبل ذلك بقليل على ثقافة الغرب نسعى إليها أو تسعى إلينا، ونأخذها مختارين أو تفرض علينا كرها، ثم كان الاستعمار فمسنا مسا عنيفا في مختلف جوانب حياتنا الثقافية حتى أوشك أن يفسد علينا ألسنتنا ويطمس معالم لغتنا، وظلت معركتنا مع الاستعمار محتدمة منذ أن حمل لواءها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده حتى تحررت الأمة الإسلامية في النهاية أو كادت، وخرجنا بعد هذا الصراع العنيف منتصرين ولكننا لم ننتصر بعد على أنفسنا، وأعني لم نستطع بعد أن ننفض أيدينا نهائيا من سيطرة الاستعمار الفكري الذي ملأ رؤوسنا واتخذ له مقاعد في مشاعرنا، ومن أجل ذلك أصبحنا نشعر بأننا متخمون، ولو نحن أدركنا الحقيقة لعرفنا بأننا واهمون فيما تصورنا، مخطئون فيما ظننا، فنحن قد أفدنا من الثقافة الغربية قليلا ولكنا في مقابل ذلك أضعنا الكثير الذي كنا نملك، أضعنا روحانيتنا السامية واكتسبنا مادية بغيضة، والروحانيات فيض من الله وهي قمة المثل الإنسانية العليا، والمادية انحدار بالقيم الإنسانية إلى أحط مداركها، ومن ثم يمكن لنا أن نرد كل خلل نراه في مجتمعنا أو نحس به إلى المادية التي جاءتنا من الغرب فأفسدت علينا كل شيء حتى الروابط السامية التي كانت تربط الفرد بالفرد، والفرد بالمجتمع، وأفراد الأسرة الواحدة بعضهم ببعض في مجالات من الألفة الجامعة والتعاون الهادف والتفاهم الواعي.

إننا لا ندعو إلى رجعية جامدة، كما أننا لا ندعو إلى تقليد أعمى، فقد استطاع أوائلنا أن يفيدوا من كل الثقافات التي أحاطت بهم من فارسية وهندية ويوناينة، ولقد انصهرت هذه الثقافات في الثقافة العربية الإسلامية على نحو جعلها تتخذ شكل ثقافة عربية إسلامية متجددة المظهر، قومية الروح والمنزع، ولكن ذلك لم يجعل العرب يتنكرون لمقوماتهم أو ينسون كيانهم الحقيقي، بل هم الذين حملوا مشعل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦٢١