تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع1 /أكتوبر 1961 .................... ص 61

الإسلام وحرية الفكر

للأستاذ: عز الدين عبد القادر

إذا دققنا في البحث فيما كانت عليه حياة الفرد في مختلف العصور المتأخرة والمجتمعات القديمة وما كان يسودها من شرائع وأنظمة .. لما وجدنا فيها أية ضمانات للحريات الشخصية .. وأهمها وأخطرها .. حرية الفكر ..

لقد كان الناس خلال تلك العصور المظلمة يعيشون في مجتمعات بدائية أو قبلية، نهبا لطغيان الطغاة وأباطيلهم .. وعبيدا لأسيادهم المستبدين وأهوائهم من زعماء وأمراء وملوك .. ممن جعلوا الخصومة متصلة بينهم وبين حريات شعوبهم جميعا قرونا متوالية ..

وقلما كان يستطيع احد أتباعهم أن يرفع رأسه بحركة .. أو أن يفتح فمه بكلمة .. فضلا عن إبداء رأي والدعوة لفكرة ..

وكثيرا ما كان جزاء من يجسر منهم على ذلك .. أن يحرق حيا .. أو يقتل صلبا .. أو يلقى إلى السباع الجائعة المفترسة .. وإنا لنرى أمثلة كثيرة على ذلك تملأ تاريخ الأقدمين .. وصحف التوراة .. وكتب المسيحية ..

ورغم ذلك كله .. فإن من أعظم ما ورثته الحضارة الحديثة من ماضي الإنسانية المجيد .. ومن أسمى ما خلفه العقل البشري في انطلاقه وتطوره من تراث .. للأجيال المتعاقبة .. هو ما جاء به الإسلام .. للناس من تحرير الروح والعقل والفكر ..

وتعتبر حرية الفكر في حد ذاتها .. من أهم المقومات الحيوية التي بنيت عليها حضارة الإسلام .. هذه الحضارة العظيمة التي أشرقت مع بزوغ فجر الإسلام وظهور دعوة الحق .. وامتد نورها في مشارق الأرض ومغاربها منذ اللحظة الأولى .. عبر الأجيال .. حتى شمل الحضارة الحديثة في عصرنا هذا ..

إسلام على بن أبي طالب

كان سيدنا علي أمير المؤمنين أول صبي دخل الإسلام في أيامه الأولى .. وذلك عندما فاجأ الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يصلي بالسيدة خديجة سرا في داره ورآهما يركعان ويسجدان ويتلوان ما تيسر مما أوحاه الله تعالى يومئذ من قرآن .. فلما سأل الصبي ابن عمه العظيم دهشا لمن يسجدان؟ أجابه: ((إنما نسجد لله الذي بعثني نبيا وأمرني أن أدعو الناس إليه .. )) ودعاه إلى عبادة الواحد الأحد والدخول في الدين الجديد .. ونبذ عبادة الأصنام.

فاستمهله سيدنا علي حتى يشاور أباه .. وأمضى علي الليل ساهرا يفكر فيما سمعه من آيات بينات وانشرح لها صدره وتفتحت عليها أفكاره .. وفي الصباح أسرع الصبي الناشئ إلى ابن عمه الرسول الكريم .. وأعلن إسلامه قائلا ببساطة: ((لقد خلقني الله من قبل أن يشاور أبا طالب، فما حاجتي أنا إلى مشاورته لأعبد الله؟ .. ))

وهكذا اختار علي الإسلام ودخل في الدين الجديد بحرية وإمعان فكر .. متأثرا بروح الدعوة المحمدية التي جاء بها القرآن .. وبشر بها محمد صلى الله عليه وسلم ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٦١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٦١٩