تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله - سائرين في هذا السبيل وقيود الرواسب تشلنا، وتعوقنا عن أي حركة تهدف إلى اية غاية غير ما زينته تلك الرواسب التي بذرها الغرب، وما يزال يغذيها، ونحن مجندون - احببنا ام كرهنا - في عونه على انفسنا.

ان مهمة «دعوة الحق» مهمة صعبة وشاقة، اذا تصورنا هذا المحيط الذي تعمل فيه، والذي يجرفها هي ايضا، بحجة حرية الفكر، الشيء الذي تغبط عليه، ولكنها في نفس الوقت لا تنسى مهمتها «الهادفة» وهي تقويم التفكير، وتوجيهه الوجهة التي ترضى قوميتنا، وتاريخنا، وديننا واخلاقنا، فهي، بفضل الثلة المباركة التي تلتف حولها، والتي تكون الدعامة الاولى لنهضة الفكر والادب في هذه الديار، مع المحافظة على ما لنا من تراث فكري واخلاقي، تصارع ذلك التيار الجارف، ولكن برفق ورزانة، وبدون مغامرة في جدال قد يكون ضرره اكثر من نفعه، شان الوالد الحنون المشفق على ابنائه يسايرهم في مطالبهم بالقدر الذي لا يخل بما يلزمهم من السلوك العام، في توجيه لا يثقل على نفوسهم الشابة الطموح لكل جديد براق.

فهي تسد فراغا كان يصبح لولاها مزعجا، وهي من ناحية اخرى وجه الصحافة في بلادنا من حيث الاخراج والطباعة، مع ما نتمنى لها من اطراد التقدم والتوسع في الابواب التي لا تطرقها او تطرقها برفق وتقاطع.

ولكن هذه المهمة الشاقة، ولا ازيدكم علما بمزاياها ووجوب القيام بها، لا يمكن ان تؤتى اكلها، وتقوم بدورها احسن قيام، الا اذا تضافرت الجهود للنهوض باعبائها في اناة وصبر واستمرار، وبالاخص من طرف الفئة التي تشفق على مستقبل الثقافة العربية والادب العربي، والمبادئ والاخلاق الاسلامية في هذه البلاد.

واتذا كان لي ما اقوله لهياة تحرير «دعوة الحق» فهو ان لا تفتا تذكرنا بخطتها، وان لا نمل من الحديث في هذا الباب، فالانسان كما يقولون مشتق من النسيان، ونحن ما نزال نتحذر، فتكرار الحديث في هذا الباب، ضرب الامثال، والنقاش الرزين البناء، كل ذلك يجعلنا نتحرى الهدف المقصود من هذا المشروع الجليل، ويرد المنحرف إلى الطريق، ويهدي الحائرين، وبدق جرس الخطر للنائمين والغافلين منا حتى ياخذ كل واحد مركزه في هذه المعركة الشاقة، من اجل بقائنا عربا مسلمين، لا بالاسم وحسب، بل بالعمل اليومي، في الادارة وفي المصنع، وفي المدرسة، وفي البيت، وفي المقهى، وفي الشارع وفي الفكر والقلب واللسان بالاحرى!

كما يحلو لي - وانا اكيل الملتمسات إلى هياة التحرير - ان اطلب اليها ان تدعو إلى اسبوع التحدث بالعربية في اوساط المثقفين على الاقل، ريثما يوفق الله وزارة المعارف فتتخذه موسما تدعو له بما لديها من وسائل كل سنة على الاقل، كما وجد (بركسون) من يقيم له اسبوعا، حتى يتمرن شبابنا على التعبير عن افكارهم في مدة اسبوع دون ان يلتجئوا إلى لغة غير لغتهم، واساليب غير اساليبهم.

وبعد، فهذه فدلكة يمكن ان يعتبرها البعض خارجة عن موضوع هذا الباب الذي الف القراء فيه شيئا غير هذه؛ تلخيصا لكلمات العدد السابق، واطراء لمجهودات الكتاب والشعراء، او نقدا لبعضهم نقدا نزيها في الاغلب، وقد يعتبرها البعض الاخر تقصيا، ولا سيما وقد سبق ان مزحت في الاول بما يؤيد هذا البعض، ولكنني ارى ان الامر - حسب رابي - يتعدى حدود التعليق والتلخيص، إلى وضع مشروع «دعوة الحق» من حيث هو في الميزان حتى نلتف حوله، ونعمل كل ما في وسعنا من جهد لإنجاحه، ان ارايناه بسد حاجة، ويسير نحو هدف يرضي ضمائرنا، والا نفضنا منه أيدينا، هذا بالضبط ما حاولت ان أقوم به.

اما الزملاء المحترمون الذين أوقعهم حظهم في هذه المرة بين يدي فأجرهم على الله! فلا تلخيص، ولا تعليق، ولا إشادة ولا انتقاد، وقد يكون هذا من الخير لهم ولي، فالعدد الذي بين أيدينا الان هو اخر عدد من هذه السنة، فالمجلة إذن في إجازة فمن الخير ان يذهبوا هم أيضا - مرتاحي البال - إلى إجازتهم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٢٠