وهكذا نرى هذا التعارض أو ما يشبه التعارض بين آراء الكتاب حول موضوع الرحلة ونقطة الارتكاز فيها والهدف الذي صيغت من أجله.
والواقع أننا لن نستطيع أن نفصل بين الاتجاهين لنجعل أحداهما هدفا مرسوما للرحلة وطابعا خاصا بها وإنما نقول أن الرحلة تجمع بين الاتجاهين.
فالرحلة تكاد تعتبر مصدرا تاريخيا فيما يتصل بأبحاث التاريخ من سياسة واجتماع واقتصاد وثقافة وحروب ونظم للحكم والإدارة والقضاء.
وتكاد تعتبر مصدرا جغرافيا أيضا فيما يتصل بالتخطيط العام لعالم الرحلة وبيان موقع المدن والبلدان وذكر المسافات بينهما وبين غيرها وفيما يتصل بالمناخ والجبال والصحراء والثروات المعدنية والمائية والحيوانية وفيما يتصل بالسكان والوصف الجنسي لهؤلاء السكان ونوع عملهم ومقدار كثافتهم.
غير أننا إزاء هذا التوفيق ينبغي أن نلاحظ أن صاحب الرحلة في معالجته لهذين الميدانين: ميدان التاريخ وميدان جغرافيا بالمعنى العلمي الحديث ولا كتابا جغرافيا بالمعنى العلمي لذلك، وإنما كان - صاحب الرحلة يتحدث في الميدانيين حديثا كان مدفوعا إليه بطبيعة السير مع الرحلة أكثر مما يكون مدفوعا اليه بطبيعة البحث العلمي في الميدانين التاريخي والجغرافي.
وهذه الطبيعة هي التي فرضت عليه أن يتفق مع المؤرخين والجغرافيين - في أكثر- المعلومات التاريخية والجغرافية، ويختلف معهم في طريقة البحث والمنهج والعرض.
فأنت إذا قرأت الرحلة لا تستطيع أن تجد نفسك أمام منهج تاريخي أو جغرافي ينتقل بك من ميدان إلى ميدان ومن فصل إلى فصل ومن موضوع إلى موضوع، ولكنك تجد نفسك أمام منهج جديد وطريقة خاصة فرضتها طبيعة الرحلة.
فابن بطوطة إذا دخل إلى مدينة من المدن يتحدث إليك عن أول ما يواجهه من هذه المدينة فيذكر لك موقعها والمسافة التي بينها وبين غيرها من المدن ثم يتحدث لك عن الحالة الطبيعية لهذه المدينة وعن مظاهر الديانة والآثار التي توجد فيها.
ويتحدث ثانيا عن ملك تلك البلاد وعاداته وسياسته وعلاقاته الخارجية وأحواله الداخلية.
وأخيرا يتحدث عن الشعب وطبقاته ورجاله وأنواع هؤلاء الرجال وعاداته وأخلاقه وتقاليده وما يمكن أن يكون منتشرا في تلك البلاد من مذهب فكري أو ديني.
وهكذا نلاحظ أن ابن بطوطة ينتقل بنا من ميدان الجغرافية إلى ميدان التاريخ إلى ميدان الاجتماع إلى ميدان السياسة دون أن تكون له خطة مرسومة في طريقة العرض والمنهج.
ومن هنا كان من الصعب على القارئ لهذه الرحلة أن يخرج بنتائج مهمة تجمع بينهما وحدة الموضوع وتربطها سلسلة من العرض والمنهج ونتيجة لهذه الصعوبة ربما يتوقف كثير من القراء عن متابعة هذه الرحلة وأمثالها.
مع أننا إذا تتبعنا قراءة هذه الرحلة في صبر وأناة على ضوء هدف معين نستطيع أن نخرج من قراءتها بنتائج مهمة تلقى أضواء على عدة ميادين وتساعدنا على أن نفهم أوضاعا وحالات كانت تعيش عليها تلك الشعوب التي مر بها صاحب الرحلة.
وإذا كان البحث العلمي يفرض أن تكون الرحلة في غير هذا الوضع كما يفرض أن تكون الرحلة في غير هذا الوضع كما يفرض أن تكون ذات هدف وخطة - فان الواقع الذي كان يعيش فيه ابن بطوطة والثقافة التي جعلت منه كاتبا لهذه الرحلة والتفكير الذي كان يسير في ظله - كل هذا لم يجعل للرحلة طابعا غير هذا الطابع ولونا غير هذا اللون.
وإذا كان هناك من واجب علينا نحو تراثنا القديم وثقافتنا القديمة فاني أرى أن هذا الواجب يتمثل في كلمتين أساسيتين وعملين ضروريين:
العمل الأول هو: نشر هذا التراث القديم والخروج به إلى عالم النور في ثوب جديد.
والعمل الثاني هو إلقاء أضواء من الدراسة على هذا التراث طبق ما وصل إليه البحث العلمي الحديث.
وبهذا نكون قد حببنا إلى نفوس هذا الجيل قراءة هذا التراث القديم واستفدنا أكثر ما يمكن من الحقائق.