تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولئن مات علي ولم يتمكن من القضاء عل هذه الجراتيم الفتاكة عملا، فقد قضى عليها نظرا، اذ ما فتىء المسلمون بعده يشنون عليها الحروب ويقصونها عن صعيد العمل الاسلامي، فما ارتفعت لها مع أهل السنة والجماعة راية، ولا تم لها في دول الخلافة الاسلامية أمر قط.

وقد نشأ عن خلاف الخوارج هذا مذاهب وفرق ضالة كالقدرية والجبرية والمرجئة، ثم تبلورت هذه المذاهب فيما سمي بالمعتزلة، ولكن هذه الفرق لم تلجا في نشر مذاهبها الى القتال بالسلاح، فقام علماء الملة وأئمة السنة بالرد عليها وحماية بيضة الاسلام مما كانوا يوجهونه اليها من السهام المسمومة فكانوا يكبتونها ويردونكيدها في نحورها مما جعلها مغمورة دائما الا في فترات قليلة كانت تحتمي فيها ببعض أولي الامر والسلطان، فتظهر ظهورا كاسفا ثم تنطمس .. والمهم هو أنه قضى عليها قضاء مبرما فلم يعد لها ذكر الا في كتب التاريخ والملل والنحل، ولم يبق لاصحابها وجود منذ عدة قرون مع ما كانت بلغته من الانتشار وما استهوت من رجال السلطة والنفود الذين أخدوا بضبعها وشدوا ازرها زمنا، ولكنها الغيرة التي حملت قادة الفكر الاسلامي على خوض المعارك ضدها، وشنها حربا كلامية كتيرا ما الحقت بهم ضررا بليغا واذى كبير، فتحملوه بصبر وتبات حتى حقت الحقائق وزالت الشكوك والريب، ان هذه الغيرة على الدين التي كانت لاسلافنا المقدسين هي التي طاحت بتلك البدع والآراء الفاسدة وطوحت بها الى غير رجعة، فبقيت الدعوة الاسلامية بقيمها ومثلها هي السائدة في العالم الاسلامي والمتحكمة في مصيره ومقدراته.

وسيطول بنا الكلام اذا أردنا تتبع ما جرى في هذه المعارك من جدل عنيف، وما كانت تنطوي عليه آراء تلك الفرق من خطر على العقيدة الاسلامبة ومن انحراف وزيغ عما جاء به الرسول (ص) وما كان عليه سلف الامة الصالح من هدى حسن في امور الدنيا والدين، فليرجع من يريد التوسع في ذلك الى مظانه، وكفانا هنا أننا خلصنا بالنتيجة المطلوبة، وهي تسجيل الموقف الذي وقفه علماؤنا من دعاة الضلال والالحاد، والنصر الحاسم الذي كتب لهم في هذا الموقف العظيم، ولا حاجة بي الى الالمام بفتنة القرامطة والحروب الصليبية وهجوم التثار، فان هذه حوادث ذات صبغة سياسية وعسكرية أكثر منها دينية، وأن كانت قد هزت العالم الاسلامي هزة عنيفة قضت على كثير من معالم حضارته، واوقفت تطوره زمنا طويلا .. على انها تشبه ما تعرضت له بلاد الاسلام في نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن، من حملات الغزو والاكتساح الاروبية، مع فارق واحد هو من الاهمية بمكان، وهو موضوع هذا المقال.

ذلك ان العالم الاسلامي بعد غفوته الطويلة، لما فتح عينيه على جيوش الاحتلال الاجنبي تجوس خلال دباره، ورأى رايات العدو ترفرف في سماء بلاده، والحكم تانافذ في ارضه هو حكم المستعمر الدخيل الذي تسند وجوده الحراب فعلا والحماية او الوصاية او ما اشبههما اسما، لم يطق صبرلا على هذا الوضع الزري الذي اصبح فيه ولم يستطع ان يطاطيء رأسه أمام الفاتح الجديد، وهو الذي دحر من قبله كل من سولت له نفسه السيطرة عليه أو المساس بسيادته وسلطانه، فتار ثورة عارمة على السلطات الاستعمارية، مهما اختلفت أسماؤها وتعددت الدول الاجنبية التي تنتمي اليها، وحطم قواتها الغاشمة وعطل أجهزتها واعتدتها الهائلة، ولم يهدا له بال ولا قر له قرار حتى رمى بالغزاة الجدد الى البحر، وسجله انتصارا باهرا على حماته المزعومين وأوصياته المفروضين وجميع دول الاستعمار التي أصفقت كلمتها عليه من أروبيين وأمريكان، وكان هذا الانتصار دليلا على قوة ايمانه وصدق يقينه إذ لا مجال هناك للمقارنة بين معدات العدو الحربية وآلاته الجهنمية وما كان عليه المسلمون من ضعف مادي وتجرد من كل سلاح وعتاد، فهم إنما انتصروا بفضل حماستهم الدينية وروحهم الاسلامية التي تعرف الا العز ولا ترضى بالذل ابدا (ولله العزة ولرسوله وللمومنين).

وكل هذا معروف ومما لا ينازع فيه احد، والعالم الاسلامي انما جرى فيه على المعهود منه في اباء الضيم وعدم الخضوع لغير حكم خالقه وباريه، ولكن تصفية العهد الاستعماري ونبذ السيطرة الاجنبية لم يكونا تامين، وقد غزا المجتمع الاسلامي مع جيوش الاحتلال علل وامراض في صور ومذاهب وأفكار تمكنت من نفوس شبابه وباضت وفرخت في عقول مثقفيه، فلم يمكنهم التخلص منها وإن تخلصت بلادهم من حكم الأجنبي وسلطته النافذة, أنها مخلفات الاستعمار ورواسبه في كل ركن وحقل ومجال، في نظام الحكم، في التعليم، في الاقتصاد، في مظاهر الحياة البيتية والاجتماعية والدولية، في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٨٩