دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 .................... ص 31
بمناسبة إحياء موسم سلطان الطلبة: الدولة العلوية وإقطاعية ابن مشعل
بقلم: عبد الهادي التازي
إن الزائر لمدينة فاس يلاحظ أول ما يلاحظ إذا قام بجولة عبر دائرتها، يلاحظ وجود قلعتين محصنتين تتقابلان على أبنيتها المزدحمة المتراصة، هاتان القلعتان اللتان تختصان باسم باستيون باب الفتوح، وباستيون باب الجيسة كا منهما شيد على عهد السعديين. . . ويتساءل المرء هل أن السعديين قاموا بهذا العمل رغبة منهم في المحافظة على المدينة من شن الغارات الأجنبية أم أنهم قاموا بذلك استعدادا لغارات أهل فاس أنفسهم؟ وأن المتتبع لتاريخ المغرب على هاتيك العصور لا يسعه إلا أن يطمئن إلى الفكرة الثانية. . . فإن السعديين لم تكن علاقتهم على ما يرام مع أهل فاس، ويرجع السبب في هذه "الجفوة" التي لاحظها المؤرخون جميعا لكون السعديين عندما حاولوا بسط نفوذهم على مدينة فاس كان هؤلاء يتشبثون هؤلاء دائما ببيعة العاهل الو طاسي الأسبق لأنهم لا يرون هناك من مبرر لنبذ التأييد الذي منحوه منذ زمان لأبي العباس، وبما أن السعديين كانوا على علم من أن الذي يتزعم فيهم هذه الفكرة هو العلامة الونشريسي فقد دأبوا على الوصول إليه بشتى الوسائل. . . أغروه بالمال. . . أغروه بالجاه. . . هددوه أخيرا ولكنه كان قول دائما: "أن بيعة أبي العباس في عنقي ولا يمكن لي بحال أن أنبذها دون أن أرى ما يسيغ ذلك من الوجهة الشرعية" وكان إن سلط السعديون قراصنتهم على هذا الشيخ الجليل الذي استشهد على عتبة باب الشماعين بجامعة القرويين. . . بعد أن قطعت يمناه التي رفضت أن توقع على بيعة الأمراء الطارئين. . . وأن الذي يعلم مركز العلماء الاجتماعي بالمغرب لا يمكنه أن ينبأ بمصير الحالة التي تصبح عليها البلاد وخاصة فاس ونواحي فاس.
وهكذا لم تمر أيام حتى أخذت الثورات الداخلية تتوالى. . . وأصبحت الحالة من الحرج بمكان مما أدى دون شك إلى إقامة الحصون على " المدينة المتمردة" فاس، ومما أذى كذلك إلى تسليط بعض العناصر المشاغبة على بعض البيوتات. . . ويكفي لأن تعرف الدرجة المزرية التي وصلت إليها الحالة الداخلية بفاس أن صلاة الجمعة ألغيت في القرويين نفسها اتقاء للاصطدامات التي كانت شوارع فاس مسرحا لها. . . وشيء آخر فإن بعض الرعاع ممن كانوا يناصرون السعديين اقتحم أحد البيوت وحاول الاعتداء على شرف سيدة كانت تقوم إذ ذاك بتقلية " القديد" المعروف عند أهل فاس باسم "الخليع" فلما استعصت عليه بعد أن اعتصمت بإحدى الغرف هدده بإلقاء رضيعها في الطنجير. . . وتمنعت فكان أن رمى الطفل في النار وانصرف، فماذا كانت أصداء هذه الوقائع سواء داخل فاس أو خارجها؟ لقد بلغ الامتعاض ببعض الناس مبلغا عظيما وأصبحت عواطفهم أسود من أي وقت مضى حيال أولئك الذين نالوا من كبيرهم وصغيرهم وكانوا سببا في تعطيل شعيرة هامة من شعائر الإسلام. . . وحتما ستكون هذه الفتن من دواعي إغراء بعض المتزعمين على القيام بالدعوة إلى تأسيس ممالك بهذا البلد المتداعي، وبهذا نفسر وجود كثير من الدعاة أواخر دولة السعديين فلقد كنا نسمع شرقا وغربا وشمالا وجنوبا عن ناس نصبوا أنفسهم لحماية البلاد من شرور الفوضى والآثام. . . وأن المتتبع لتاريخ المغرب. ذلك التاريخ الذي يشهد بأن الملوك المغاربة كانوا يعاملون المواطنين اليهود بنفس المعاملة التي يحضى بها المواطنين المسلمون أقول أن الذي يتتبع ذلك التاريخ سوف يقف من دون ريب على وزراء ومستشارين وأمناء إسرائيليين سواء على عهد المرينيين أو الوطاسيين أو السعديين كذلك ... و سيسهل علينا بعد هذا أن نرى في جملة أولئك الإقطاعيين الذين لم يروا من يأس في الدعوة لأنفسهم أقول في جملتهم هرون ابن مشعل اليهودي في قصبته التي لا تبعد عن تازة إلا بنحو إثنى عشر كيلو مترا، وهكذا كان من الجائز أن توقع تلك المظالم المتوالية