تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حسب أهوائه قصد مضاعفة الإنتاج بأبخس ثمن، وهي حرية تتجلى في السماح للفرد بأن يزاول تجارة أو مهنة قصد مزاحمة الأولائك الذين يتعاطون لها.

فسنتحدث بعض الشيء عن العراقيل النظمية التي تعترض سبيل هذه الحريات وبالتالي فهي تعوق التطور الاقتصادي.

إن عمل الدولة ــ الذي يتم في شكل عمل جماعي ــ يعد ضروريا حتى وإن كان لا ينتج إلا تميم العمل الذي تقوم به مرافق النشاط الحرة. وبعبارة أدق فإن عمل الدولة، إذا تحملته القوات الحية من الشعب، فمن شأنه أن يساهم في انتعاش اقتصادي يكون أسرع من الذي ينتظر من النشاط الفردي. وهكذا فإن الدولة التي تشرف على تصميم الأعمال قصد تحقيق بعض الأهداف، يمكنها أن تصل إلى مستوى من النمو الاقتصادي، يفوق ارتفاعا، المستوى الذي تصل إليه دولة لا تهتم بالتصميم الإحصائي للأعمال. ثم أن الدولة بصفتها أداة تنفيذ، يمكنها أن تخلف أساليب للنمو الاقتصادي الذي تعرقله إن هي كانت تعاني الرشوة، واللافعالية، وعدم التنظيم والإفراط في النفوذ.

وهناك ضرب آخر من العراقيل التي تعترض سبيل التطور الاقتصادي وهو يتجلى في وجود طبقات اجتماعية مستقلة عن غيرها، الأمر الذي تتعذر من أجله تعبئة شاملة لمختلف طبقات المجتمع. ويقال عن طبقة عالية أنها سليمة إذا كانت تسمح لعنصر ذكي منبثق من الطبقة التي تحتها، بالاندماج فيها وتدفع بعناصرها الضعيفة إلى الالتحاق بالطبقة التي تليها من حيث الترتيب. هذا وأن طبقة عديمة المنافذ، ترتكز على العائلة تهدف في هذا الشأن، إلى حصر ما يسمى بالإخصاب الثقافي. ثم أن العادات القائمة داخل هذه الطبقة تصبح مقدسة، كما أن اتجاهها يستند على الماضي بدلا من الحاضر أو المستقبل. بنا إلى القول بأنه إذا وجدت مجتمعات منسجمة تدين بجميع طبقاتها الاجتماعية بعادات ثقافية واحدة، فإن النتيجة الحتمي لذلك تتجلى في احتكار المراكز العالية من طرف الأشخاص الذين يتوفرون على ثقافة عالية، بحيث لا تكون تلك المراكز من حظ الذين لهم " نشأة أو أصل" عالي. ويجب أن نؤكد في الأخير أن كل نمو اقتصادي يتطلب إبدال الطبقات الحاكمة بأخرى قصد تلقيحها، لأن هذه الطبقات تعيش تحت تأثير عادات عنيفة قديمة ومتحجرة، تجعلها غير قادرة على مسايرة روح التقدم.

ومن ذلك يتضح لنا أن نظم طبقات المجتمع من الأهمية بما كان. وفي شأن المغرب لا يمكن أن نقول أن فيه طبقة عالية " تسيطر" على طبقة أخرى. غير أنه توجد بالمغرب عائلات كبرى كانت دائما في طليعة الشعب، وهي عائلات لها مميزاتها وعاداتها الخاصة. على أن الحالة الراهنة للتطور الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب حيث يعززه تطور الوعي السياسي للمغاربة، هي حالة تساعد على تعبئة شاملة تضم جميع طبقات الأمة. وهذه التعبئة الشاملة تشكل الضمانة للتقدم الذي يسير نحوه المجتمع المغربي الذي لا يشوبه استعباد، ولا عنصرية واقعية، ولا غطرسة اجتماعية ولا عنصرية دينية.

ثم هنالك عراقيل أخرى ناتجة عن النظم القائمة يجب أن نقضي عليها إذا نحن أردنا تحقيق النمو الاقتصادي، وإقرار حرية الحصول على الأراضي، وحرية اليد العاملة التي يمكن تنظيمها تحت إشراف سلطة مركزية (حرة أو عمومية) وحرية التصرف للمستهلك عن طريق المنافسة الحرة. كل هذه الشروط يجب أن تتوفر إذا أردنا أن ينمو اقتصادنا.

4 ــ موقف المغربي إزاء التجديد:

من المؤكد أن الأفكار الجديدة التقدمية، تكون دائما مقبولة لدى المجتمعات التي تعود الناس فيها على اختلاف الآراء، وعلى حدوث التغيرات، فالأفكار الجديدة لها تأثير فعال على مواقف الناس. غير أن شيوع الأفكار الجديدة نفسها، وبمسايرتها للظروف المحلية (سواء كانت هذه الظروف تتصل بالفنون، أو بالثقافة، أو بالنظم أو بما شابه ذلك).

ويتحقق تبني هذه الأفكار من طرف المجتمع بغاية السهولة إذا قام بنشرها الأفراد الذين لهم تأثير على المجتمع. وتلك هي الطريقة التي ارتكزت عليها السياسة المعروفة " بالسياسة الغير المباشرة" التي طبقها الإنجليز في إفريقيا حيث اكتفوا بإقناع رؤساء القبائل ليروا السكان المحليين يطبقون التجديدات اللازمة. غير أنه قد يوجد في مجتمعات أخرى، توتر بين الحاكمين والمحكومين بحيث يرفض هؤلاء ما يقترحه أو لائك. ولهذا يجب أن نعرف من أية جهة نبدأ ومن أية نقطة نشرع في إدخال الأفكار الجديدة التي تساهم في التطور والتقدم. ففي المغرب يمكننا أن نقول ــ ولا تعتمد في قولنا إلا على تجربة الـ 10 أو 15 سنة الأخيرة ــ أن الروح الوطنية ترتاح للتجديد، ارتياحا كبيرا بقدر ما يحترم هذا التجديد العادات السليمة المعقولة، والدين والنظم التي لها مكانتها بالبلاد.

ففي الميدان الاقتصادي، أمكننا أن نرى شبانا صناعيين يخرجون مؤسساتهم إلى الوجود، وهم يتبنون من الأفكار، أكثرها تقدمية في سير أعمالهم، كما شاهدنا عمالا من الشباب يبحثون عن قوة الإنتاج بطريقة تجديد أساليب عملهم، ورأينا كذلك الصناع ــ وهم الذين يعانون أشد الصعوبات ــ يقبلون إمكانية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٠٣