ومن استعمل الأصابع، وكان الشيخ الوقور من مستعملي الشوكة والسكين، فناوله في آخر الطعام الأمير الذي كنا على مائدته منديلا، فاعتذر عن استعماله قائلا " ما اعتادت يداي أن تتوسخا ــ قال ذلك في لهجة المشير إلى رواية " جان بول سارتر" الأيدي القذرة" ــ وضحك الجميع من النكتة واستحسنوها.
وفي مساء هذا اليوم كانت جلسة المؤتمر للاستماع إلى محاضرة البطولة في الأدب العربي في شمال إفريقيا والأندلس. وتشرف صاحب هاته العجالة المتواضعة برئاستها. وبعد ما انعقدت الجلسة وألقى المحاضر كلمته، طلب من المعلقين إبداء أرائهم في المحاضرة. فقام الدكتور منصور فهمي وألقى كلمة أعدها من جوامع الكلم ومن نفائس الفكر التي يحق لها أن تثبت في جملة الروائع الكتابية، لما فيها من توجيه نود أم يكون توجيها لشباب العرب عموما ولشباب المغرب على الأخص، ولجميع من يجعل قيمة التراث العربي الإسلامي، ويجهل أنه جماع لكل القيم الروحية والمثل العليا التي ينبغي أن نعيش لها جميعا، وهي كلمة شيخ للأجيال التي طلعت عندما أوشك هذا الشيخ الوقور أن ينتقل إلى رحمة ربه، بعدما عرف الحياة ومئاسيها وعجم عودها، وتغرب ما تشاء الله أن يتغرب، وتفلسف ما شاء القدر أن يتفلسف، ورجع من تلك المعارك والمئاسي والتجارب بخلاصة نود لكل طالب أن يتوصل إليها بدلا مما نراه ونسمعه من الشذوذ في الأفكار والآراء، بعد دراسات سطحية شهورا أو سنوات، في كليات الغرب.
وكان لسال الحال الدكتور منصور فهمي المؤمن، تلك الأبيات التي ساقها أبو الفتح الشهرستاني في كتابه " نهاية الأقدام في علم الكلام" ولا تعرف بالضبط لمن هي، لأن من المؤلفين من نسبها لأبي بكر محمد بن باجة المعروف بأبي الصائغ، ومنهم من عزاها للشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا. ومهما كان قائلها فإنها لا تصدر إلا عن جبار من جبابرة الفكر الذين تحققوا بأن التيه في مجاهل الشك ليس بعده إلا الخيبة والخسران المبين، وأن الإيمان وحده هو سبيل المعرفة:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أرى إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم
وتثبت هنا كلمة الدكتور منصور فهمي لتسجل ولا تضيع، لأنها لم تنشر إلا في صحيفة مؤتمر الأدباء العرب التي انحجبت بعد قضاء مهمتها طيلة أسبوع وأيام قلائل:
كلمة الدكتور منصور فهمي
أيها الإخوان،
أولا أعتذر عن القول لأن الدقائق الثلاث التي رسمت للقائل تحول بين شيخ مثلي مهدم وبين أن يتلقى أنفاسه ليقول، إنما ما دام السيد الرئيس قد دعاني إلى القول فإني أقول لكم أيها الأبناء ولا أقول لكم أيها السادة، أقول أيها الورثة لصحف جليلة بسجلات مليئة، صحف إنسانية فيها خطوط من نور وفيها أحرف من حماسة وفيها وحي يذكر بتلك البطولة التي أنتم بحق ورثتها وأنتم قراء صحيفتها، أنتم القراء لتلك الصحف التي يفيض بها الأدب العربي والشعر العربي في القديم وفي العصور المتوسطة وفي الحديث من شعرائنا الحاليين الذين يلهبون النفوس بكلماتها ومن شعرائنا الذين يروون أنفسكم بدمائهم وتضحيتهم في كل بلاد العروبة، ضحوا من أجل البطولة وهي كما قال أحد الإخوان السابقين ليست في الشجاعة فحسب، وليست في اقتحام المآزق المادية، ولكنها كما قال الأخ الجزائري سمو بالروح، سمو للعزة، لأن صحيفة الدين التي ورثتموها باللغة العربية جعلت من ربكم ذلك العزيز وجعلت من دينكم العزة، فألصقتها بالله وبرسول الله الذي نزل عليه الوحي الكبير، فأنتم ورثة العزة بطبيعتكم وبلغتكم وبكتابكم المقدس، والعزة كلمة قصيرة، كلمة مضغوطة، كلمة مختصرة، ولكنها مليئة يكل المعاني التي تجعل البطولة، العزة للوطن، للإنسانية. . للنفس الصافية حين تتسامى عن دناوة البشريات، وعن التهافت على الماديات والشهوات الوضيعة، تحتقر كل ما تطلبون من المثل العليا للبطولة، أيها الورثة المأمولون وأنا أنظر فيكم فلا أرى إلا شابا وفتى لا أجد من يستقبل عما قريب الغد شيخا مثليـ ولكن أمامكم الميدان والزمن مفسوح لكي تتكلموا بتلك المكارم العربية.
أحذركم وأحذر شبابكم من كلمات جرت في سوق المعاملات بين الشباب، كثير من الشباب أحيانا أجدهم يمر على لسانه عبارة الكهنوتية والصوفية والمتصوف، اعلموا أيها الأبناء أن كتابكم الذي يقوم على قداسة العزة وقداسة الروحية، وأن أدبكم الذي يقوم على الإيمان بالمثل الرفيعة والسجايا العربية النبيلة، ارتفاع بالروح فلا تغتروا بتلك الألفاظ بل الروحية هي التي تصل الأرض بالسماء، وتومئ إلى الارتفاع وإلى السمو وإلى العظمة، فابقوا على عهدكم بعروبتكم، فهي روحانية وسجايا وكرم ومزايا وهذا الذي يسودكم على الأرض ويخلق من المدينة الفاسدة مدينة جديدة فاضلة، هي مدينة العرب.