دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 34
الاسترشاد بروح النصوص قديما وحديثا
للأستاذ: عبد الهادي التازي
يحبب إلي دائما أن أثير موضوعا كهذا في هذه الظروف بالذات إذ إني أعتبر أن في ترويج مثل هذا الحديث قطعا للطريق على هؤلاء الذين يدسون للإسلام ويحاولون رميه بالرجعية والتحجر، وهو إلى جانب هذا ينير الطريق أمام هؤلاء الشباب المتحير الذي فتح عينيه على أجواء سامة تستهتر بتعاليم الإسلام وتستهدف إلى الإلحاد والمروق ...
والحقيقة أن شبابنا ليس من البساطة بحيث تنطلي عليه حيل هؤلاء وأولئك، كما وليس من السذاجة بحيث يرمي وراء ظهره ما ورثه عن جدوده منذ مئات السنين ... ولكنه مع حذره ومع تبصره يقف في بعض الأحيان موقف المتشكك من بعض التعاليم التي يتلقاها؛ هل أن ما صلح للناس منذ أربعة عشر قرنا صالح لنا ونحن في هذه الحقبة من التاريخ؟ وكيف؟ ولم نقتدي بهؤلاء "المتحررين" ممن كانوا يعتنقون الديانات الأخرى؟ أو لم يدركوا هم بأن التغني بالدين تماد في الباطل وإصرار على الانتحار؟ كنت أشعر بهذه الأسئلة وهي ترتسم سرمدا على وجوه هؤلاء الذين ستناط بهم غدا شؤون الإدارة بالمغرب، وكأن هناك شيء واحد يبعث في روح الأمل ويعزز نصيبي في التفاؤل، ذلك أنهم كانوا على كل حال يتوقون إلى معرفة "المدى" الذي يمكن للإسلام أن يصل إليه في وقت "السبوتنيك" و"مونيك" أيضا ...
هل الإسلام يعتمد على النصوص أو العكس من ذلك يعتمد على روح تلك النصوص؟ ولإيضاح ما أقصد بهذا السؤال سأسوغ لنفسي -إيثارا لتعميم الفائدة- أن أذكر أن النصوص يقصد بها العبارات التي ثبت بمقتضاها حكم من الأحكام ... ويقصد بروحها تلك الأهداف القريبة أو البعيدة التي دعت إلى إصدار تلك الأحكام ... فمثلا يوجد نص في الإسلام يثبت أنه من غير الممنوع أن يتزوج المسلم من مسيحية مثلا ويعرف العلماء -نظرا للظروف والملابسات التي حفت بزمن صدور هذا الحكم- أن ذلك التدبير يرمي إلى إعطاء البرهان للذين لم يقتنعوا بالإسلام بعد أو بالأحرى للذين يتهمونه بأنه يحمل الحقد والضغينة للآخرين، أعطاهم البرهان على أنه سمح كريم .. هذا روح النص ومن أجلها كان فيما يظهر، قد تكون هناك أسرار أخرى وهذا شيء لا يهمني أن أستوعبه، ولكني فقط أريد أن أذكر أن هناك دائما نصوصا وإلى جانبها توجد "روح" بمقتضاها نفذت تلك النصوص، فما موقف الإسلام من تلك وهذه؟ وهل يجبر معتنقيه على أن يجعلوا العصابات على أعينهم ويقتفوا بالحرف ما تقتضيه تلك النصوص دائما أم أنه يترك لهم الحرية سرمدا في أن يستعملوا مواهبهم .. ؟
لو أنك استعرضت أمامك كثيرا من الآيات القرآنية .. وطائفة كذلك من الأحاديث النبوية لوجدت نفسك أمام جملة وافرة من النصوص التي تشيد باستخدام الفكر في تصرف الإنسان .. وكان القرآن والسنة -وهما يفعلان- يتحديان ذلك البشر الذي أضله التقليد وصرفته "الإمعية" عن اتخاذ الطريق السوي .. ذلك البشر الذي كان يتبع لأن أباه اتبع، وكان يقول لأنه سمع الناس يقولون .. فكأن تعاليم الإسلام ترى أن في الاستلهام بالفكر حلا لكل تلك العقد، ولهذا توجه إلى "أولي الألباب" و"الأبصار" والقوم الذين "يعقلون" و"يعلمون"، وشيء آخر أرى فيه إشادة علمية -من لدن القرآن الكريم - بالالتجاء إلى النظر .. تلك هي الإطراءات التي وردت فيه عن طريق موافقة بعض الصحابة فيما ذهبوا إليه مستقلين بأفكارهم غير منفعلين بتأثير خارجي .. فنحن على علم من أن هناك كثيرا من الجزئيات كان