تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله تعالى قد ذكر في عدة مواضع أخرى من كتابه طائفية اليهود والنصارى ومزاعمهم الخاطئة هذه وفندها بما لا مزيد عليه فقال مثلا: "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم. قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين. بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة) وقال: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم، بل انتم بشر ممن خلق" (المائدة: 18) وقال: "وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون. فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" (آل عمران: 24) وقال: "قل - أي لهؤلاء اليهود والنصارى- إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين" (البقرة: 94).

فكل هذه الآيات إنما تكشف عن حقيقة أن الله عز وجل ليست عليه دالة لطائفة في الأرض ولا طائفة خاصة مستأثرة بالنجاة عنده، فليس من حق احد من الناس أن يعامل بصفة خاصة بناء على انه ولد في امة فلانية أو انه ينسب إلى جماعة خاصة، بل الجميع -من حيث هم أفراد الجنس البشري- لا فرق بينهم البتة في نظر الله. وعلى هذا فليست في الأرض امة هي محبوبة عند الله مقبولة في جنابه من حيث هي، ولا امة غيرها هي مطروحة مبغوضة في نظرة لمجرد أنها تعرف بالاسم الفلاني أو تنسب إلى الجنس الفلاني، لان الوزن الحقيقي عند الله ما هم للمبادئ والحقائق. فان آمنتم بصدق قلوبكم وعملتم الصالحات، نلتم جزاء حسنا عند الله، وإذا بقيتم على غير شيء من الإيمان والعمل الصالح فلا شيء ينقذكم من العقاب والعذاب الأليم، إلى أي طائفة أو جنس كنتم تنتسبون. والله تعالى قد صرح بهذه الحقيقة في موضع آخر من كتابه حيث يقول مخاطبا المسلمين "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" (النساء: 123).

وهذا بعينة ما جاء بيانه في الآية تحت البحث باسلون آخر. أن سياق الكلام وتسلسله الذي أنزلت فيه هذه الآية، ما كان البحث يتعلق فيه البتة بالأمور التي يجب الإيمان بها لكون المرء مؤمنا والضابطة التي يجب أن تكون لأعماله حتى تعد صالحة، إذ قد جاء بيان مثل هذه التفاصيل في مواضع أخرى من القرآن. بل الذي يتعلق به البحث هاهنا هو بيان القاعدة الكلية القائلة بان الاعتبار الحقيقي عند الله هو للحقائق الواقعة لا لهذه الصور السطحية والمظاهر الخارجية والانتساب الظاهرة التي يستميت الناس في سبيلها في الدنيا، ولهذا قد أشير إلى هذه الحقائق إشارة خاطفة في الآية. فادا جاء احد الآن يستنبط من كل هذا أن هذه الآية لما لم يأت فيها ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بهما يكفى للنجاة وان لا حاجة للإنسان بعده إلى الإيمان برسول ولا كتاب ولا اتباع شريعة، أو قال أن ليس المقصود بدعوة القرآن بأكثر من أن يكون النصراني راسخا في نصرانيته واليهودي في يهوديته والهندوك في هندوكيته والمجوسي في مجوسيته، ويتبع كل واحد منهم إتباعا محكما ما هو عليه من الدين، وأما الإيمان بالقرآن والرسالة المحمدية، فما هو بشرط للنجاة، فأنا نقول بالنسبة لمثل هذا الرجل انه لا يفسر القرآن بل يستهزئ به ولن نقبل له قولا أبدا ما دام يكفر بالقرآن كله لا هذه الآية.

مما لا مجال فيه أن أصل الدين هو الإيمان بالله ولهذا قد جاء ذكره قبل غيره في الآيات تحت البحث، ولكن ليس معنى الإيمان بالله أن يقر الإنسان بوجود الله ويقول بوحدانيته فحسب، إذ القرآن بنفسه يبين لنا بكل وضوح ما هو مراده بالإيمان بالله في قوله: "بلى من اسلم وجه الله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" - هنا قد جاء بيان مراد القرآن بالإيمان وهو "الإسلام" أي جعل الإنسان نفسه تابعا لمرضاة الله، وقيل أن اجر هذا الإسلام هو بعين ما جاء ذكره في آية "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى".

وفي مواضع أخرى من القرآن قد جاء الشرح المزيد لهذا الإيمان وقيل فيها أن الإنسان لا يمكنه أن ينال مثل هذا الإيمان - أو الإسلام بكلمة أخرى- إلا بواسطة أنبياء الله وكتبه انه لا يستطيع أبدا أن يوجد لنفسه عقيدة عن الله وكتبه انه لا يستطيع أبدا أن يوجد لنفسه عقيدة عن الله والآخرة أو يقيم لنفسه نظرية عن الأخلاق الفاضلة بالتفكير بنفسه أو يعمل ما في نفسه من ملكة الانتخاب فيقتنى أمورا من دين زيد وأخرى من دين عمرو ويقول إنا "مؤمن" في نظر القرآن. اقرأ أن شئت قوله تبارك وتعالى "قولوا آمنا بالله وما انزل إلى إبراهيم .... وما أوتي النبيئون من ربهم، لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون. فان آمنوا بمثل ما آمنتم به احد منهم ونحن له مسلمون. فان امنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وان تولوا فإنما هم شقاق" (البقرة: 132) وقد أعيد هذا الموضوع نفسه في سورة آل عمران (الآية: 84) وقيل بعد لفظة "ونحن له مسلمون": "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" وقيل في موضع آخر من هذه السورة "فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم؟ فان اسلموا فقد اهتدوا" (الآية 20). فالواضح بكل صراحة من هذه الآيات أن ليس المراد "بالإيمان بالله" في الآية تحت التفسير الاعتقاد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٠٥