باسطنبول في مثل هذا الشهر (مارس) من سنة 1897 ولم يخلف تأليف لان عمله كان كله منصرفا بالكتابة إلى الجرائد وبتكوين التلاميذ الذين قاموا بنشر دعوته أيام حياته وبعد مماته ولا يعرف له إلا كتابه ضد الماديين وقد وضعه بالفارسية وترجم إلى لغة الاردو وهي لغة الباكستان اليوم والى اللغة العربية على يد الشيخ محمد عبدو وقد سماه "رسالة في أبطال مذاهب الدهريين وبيان مفاسدهم واثبات أن الدين أساس المدنية والكفر فساد العمران"، وقد انتشرت هذه الرسالة في العالم الإسلامي بحيث لم تكن تخلو منها خزانة مثقف منذ ظهرت في الطبعة الأولى سنة 1303 وفي الطبعة الثانية سنة 1312.
اما تلميذه الشيخ الإمام محمد عبده فإليه يرجع الفضل، مباشرة في هذه اليقظة العامة التي شملت كل البلاد الإسلامية والتي عمل على نشرها تلامذته وهم كثيرون وقد برزوا في كل الميادين العلمية والأدبية والسياسية وعلى رأسهم من حيث التخصص للدعوة الإصلاحية وحاربة الاستعمار الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله. الذي كان ارتباطي الروحي بهذه المدرسة الإصلاحية بواسطته.
والكلام على الشيخ محمد عبده كذلك يتطلب وقتا طويلا لان دعوته توجهت إلى نواحي كثيرة من الإصلاح الديني كما قدمنا فانه شمل من اجل ذلك النواحي الأخرى الاجتماعية والسياسية، وقد ولد رحمه الله بصعيد مصر سنة 1265 (1849) ودرس بطنطا ثم انتقل إلى الأزهر وقضى به بضعة سنين في التحصيل وأثناء ذلك حضر إلى مصر السيد جمال الدين الأفغاني سنة 1289 (1872) فاتصل به الطالب الأزهري وقد كان إذاك على أبواب التخرج وقد حصل علما كثيرا في مختلف العلوم الإسلامية فوجد عنده ضالته لأنه فتح له آفاقا جديدة بما كان له من الاطلاع على العلوم المصرية الحديثة وبما كان له من المعرفة لشؤون البلاد الغربية ولحضارتها فكان من أثر جمال الدين على تكوينه انه مكنه من طريقة جديدة لتفهم فلسفة الإسلام فاقبل على دراسة الحضارة الإسلامية وأخذت تتكون عنده نظرياته في الإصلاح وقد كان عين أستاذا بدار العلوم عند أول تأسيسها فاخذ ببث أفكاره بين تلاميذته وفي أثناء دراسته أولع بفلسفة ابن خلدون فكانت المقدمة من الكتب التي طبعت كذلك الاتجاه الإصلاحي عند الشيخ محمد عبده، وأخذ ينشر آراءه في الصحف فتنبه إليه الجامدون وبدأت الاضطهادات التي لابد منها لكل مصلح وكأنها من شروط نجاح كل دعوة إلى الإصلاح لأنها تكون بمثابة الإعلان عن الدعوة ولأنها تحمل في طياتها الاعتراف بان هذا الذي يضطهد في سبيل عقيدته ما تحمل المحن والتضحيات إلا لأنه محق ولأنه تجرد عن الأغراض، فعزل محمد عبده من وظيفته، وما عتم بعد ذلك أن نفي بعد ثورة عرابي باشا إلى بيروت سنة 1882.
وقد كان لهذا النفي الأثر النهائي على تكوين أسس الدعوة الإصلاحية التي تزعمها من ذلك الحين الشيخ محمد عبده، فقد أخذ يلقي دروسا في حقيقة التوحيد لأنه رأى أن مظاهر الشرك هي أصل البلاء وبدأت دعوته تصطبغ بهذه الصبغة الدينية، وهذه الدروس هي أصل رسالة التوحيد الشهيرة التي ترجمت إلى عدة لغات وصارت في جل البلاد الإسلامية تعتبر الكتاب الأساسي لدراسة التوحيد، ثم في سنة 1883 التحق بشيخه الأفغاني بباريس وهناك أسسا جريدة "العروة الوثقى" للدعوة إلى جمع كلمة المسلمين والتحرر من القيود والرجوع إلى صفاء الإسلام ومحاربة الغزو الأوروبي المادي والمعنوي، وهذه الجريدة رغم كونها لم يصدر منها إلا ثمانية عشر عددا فان أثرها على النهضة الإسلامية كان عظيما وقد استطاع أن يستفيد منها كذلك زعماء الإصلاح في أوائل هذا القرن لان هذه الإعداد جمعت في كتاب على حدة وصار هذا المؤلف من الكتب الأساسية التي لا تخلو منها كذلك خزانة.
ورجع بعد ذلك محمد عبدو إلى بيروت، ثم في سنة 1889 رجع إلى القاهرة وقد ذاع صيته وانتشر ومن ذلك الوقت وهو يحمل مسؤولية الدعوة الإصلاحية بشتى الوسائل من درس وتأليف وكتابة في الصحف وقد اتصل به في هذه الأثناء تلميذه رشيد رضا وهو الذي انتشرت دعوته على يده بالمجلة العظيمة "المنار" التي حملت الدعوة الإصلاحية إلى كافة البلاد الإسلامية وكان ينشر في هذه المجلة تفسير شيخه المشهور بتفسير المنار وقد بلغ قبل وفاته مكانة كبيرة في البلاد المصرية وعند كافة المسلمين وقد عين في آخر حياته المفتي الأكبر للديار المصرية وبقي في هذا المنصب الجليل إلى أن توفي سنة 1323 (1905) وقد خلفه في الدعوة الإصلاحية تلميذه الشيخ رشيد رضا، ولا نطيل بالكلام عن حياة هذا المصلح الكبير لأنه بالنسبة للكثيرين يعتبر من المعاصرين وقد توفي رحمه الله سنة 1935، اما أثره فقد كان عظيما لأنه وسع دائرة الإصلاح إلى كل النواحي الاجتماعية في كل البلاد الإسلامية وساعده على ذلك تلك الأداة الفعالة مجلة المنار التي كانت تقض مضاجع المستعمرين لأنها كانت تتعرض لكل القضايا الوطنية للبلاد الإسلامية والمغرب لن ينسى لها تلك الحملة الموفقة التي شنتها على الظهير البربري مع مساندتها لحركتنا الوطنية الناشئة أذاك.