النقد الأدبي عند العرب لم تعتبر المقياس الديني والخلقي أساسا للحكم على قيمة الأثر الأدبي، متأثرة في ذلك بروح الأدب الجاهلي أكثر مما تأثرت بروح الإسلام، فهو رأي قد يقبل في دائرة تقرير واقع تاريخي، ولكن هذا لا يعني أننا نقبل المبدأ ونؤيده، فالأدب الحق نزوع نحو الكمال وشوق روحي إلى الخير والجمال في صورة فنية رائعة، وقيمة الأثر الأدبي تزداد بمقدار ما يسمو بالإنسانية نحو المثل الأعلى، وبمقدار ما يكون تعبيرا صادقا عن أنبل المشاعر وأسمى المطامح، كما أنني لا أتفق مع الأستاذ الهراس فيما ذهب إليه «من أننا إذا أردنا أن نجعل من الشعر وسيلة لإعلاء العواطف وتهذيبها ... فيجب علينا أن نكون قبل كل شيء المجتمع الصالح» بل انني أعتبر الأديب أو الشاعر رائدا وهاديا للمجتمع الصالح فنحن في حاجة إلى أدباء وشعراء يسمون بروح المجتمع إلى مراتب الخير والكمال.
*
ويثير الأستاذ محمد محمود مقلد موضوع القوالب الشعرية وهو موضوع كثر فيه الجدل بين أنصار القالب الشعري العربي الأصيل بأوزانه وتفاعيله وقوافيه، وبين المجددين المتحررين الذين لا يتقيدون بقيد. ولا أرى أن نضيف إلى قوالبنا الشعرية الأصيلة قوالب جديدة يخرج فيها الشعر عن البحور المألوفة، فقد فعل العرب ذلك قديما في الموشحات، ويتحرر من التزام القافية الواحدة في مجموع القصيدة، ويحرص على وحدة القصيدة لا على وحدة البيت، ويخرج عن حدود الأغراض المألوفة إلى ميدان الحياة الواسع ليعبر عن خلجات النفوس وأشواق الأرواح ويتجاوب مع الحياة تجاوبا كاملا. على أن ذلك كله في حدود الأسلوب العربي السليم، وعلى أن يحتفظ الشعر بنوع من الموسيقى لا يمكن أن يكون الشعر بدونها شعرا وإنما هو نثر مفكك وهذيان لا يستسيغه فن ولا ذوق.
*
وفي العدد السادس نماذج من الشعر المغربي المحافظ على القوالب الشعرية العربية، كقصيدة العلامة الأديب السيد محمد المختار السوسي «كأنك من كل القلوب مكون» وكم نتمنى أن ينشر عالمنا الأديب مكنونات شعره التي لا يطلع عليها إلا الخواص. وكقصيدة الأستاذ عبد القادر حسن التي ألقاها في مهرجان الشعر الذي نظم بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة لمؤتمر أدباء العرب في الكويت، والشاعر عبد القادر حسن له قصائد ومقطوعات عامرة بالحياة، وكنت أفضل لو أن شاعرنا اختار لهذه القصيدة التي حيا بها المؤتمر بحرا آخر، فقد أحسست وأنا أصغي إلى إلقائها أن موسيقاها لم تكن منسجمة مع جو الحفل الذي ألقيت فيه.
وفي العدد السادس كذلك نماذج من الشعر الجديد، فقصيدة البقالي جميلة بموسيقاها عميقة بروحها وفلسفتها. وقصيدة (طيف) للمعداوي جميلة بأطياف اخيلتها.
وفي العدد السادس قصتان قصيرتان «محاولة» لمحمد برادة و (بطاقة توصية) لعبد الجبار السحيمي، وهي قطعة فنية مليئة بالصدق والحياة في أسلوب جميل رصين.
ويظهر أن القصة المغربية قد أخذت تشق طريقها، وكم أمامها من ميادين واسعة في تصوير الطبيعة المغربية والمجتمع المغربي وسبر أغوار الروح المغربية وتبليغ رسالة الأديب إلى مختلف الأوساط.
أما (الصباغ) فقد غمره (الضباب) في نوع من الصوفية الشعرية، وأراد أن يدخل بنا في تجربة نفسية طريفة، واعترف بأنني لم أستطع مجاراته فيها.
وأريد أن أختم هذا التعليق بالإشارة لمحاولة الأستاذ محمد الامري المصمودي لدراسة (شعرنا المعاصر) وهي دراسة واجبة لتسجيل نهضتنا الشعرية وتقويمها والتعريف بها في الداخل والخارج. وبما أنني لم أقرأ من هذا البحث القيم إلى الجزء المنشور في العدد السادس فانني لا أستطيع أن أعلق عليه بأكثر من أن أتمنى أن يوفق الله صاحبه للقيام به على أحسن وجه.