دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص61
الجزائر الجزائر الجزائر
للزعيم الأستاذ: علال الفاسي
القضية الجزائرية في شهر
الوضع السياسي:
كان الشهر الماضي مرحلة هامة من مراحل تطور القضية الجزائرية في مختلف الميادين، فقد سجل خلاله الكفاح الجزائري خطوات سياسية وانتصارات عسكرية بعيدة المدى، كما سجل- في نفس الوقت- آثار تراجع خطير في صفوف القوات السياسية والعسكرية للخصم سواء في الميدان الدولي أو في الميدان الداخلي.
وليس هناك من مجال للاستغراب من هذه الظاهرة، فالهزائم الني يمنى بها الاستعمار الفرنسي في الجزائر ليست إلا حلقة من سلسلة الهزائم التي تصيب الأوضاع التوسعية في عدن والبحرين وعمان والكونغو وكينيا وروديسيا ونياسلاند وغير ذلك من أرجاء العالم العربي والإفريقي.
إن الزحف العربي الإفريقي المقدس، الذي سيفضي إلى القضاء على مظاهر السيطرة والاغتصاب في آسيا وإفريقيا، ليس إلا نتيجة حتمية لتطور الوعي الإنساني العام، هذا الذي لا يمكن إيقافه وليس من المنطقي محاولة ذلك.
لكن هذا اللون من المنطق لا يبدو أنه يتسرب إلى أذهان كثير من المسؤولين عن الأوضاع التوسعية في العالم، ويلوح أن الفرنسيين أكثر تمثيلا لهذه الظاهرة الغربية، فالمنطق التوسعي الفرنسي أكثر ألوان المنطق التواء وأشدها استعصاء على الفهم.
لقد قال غلاة السيطرة في الجزائر أن استمرار الثورة الجزائرية ونموها الخارق، هو نتيجة تخاذل المسؤولين في باريس ووهن إرادتهم، ومن ثم كان انقلاب 13 مايو 1958 والإطاحة بالهيكل المتداعي للجمهورية الرابعة، وانتصبت الجمهورية الخامسة وهيمن «الغلاة» على الحكومة والبرلمان وغيرهما وكان ذلك كافيا عند «ديبلبيك» وغيره لإنهاء الثورة الجزائرية وإخماد لهيبها، ولكن الثورة لم تزدد إلا عنفا وشدة، ومضت جبارة قوية كأعنف الثورات وأقواها، وحينذاك فقط بدأت الآمال تخيب، وازدادت النفقات الحربية، وارتفع بالتالي منسوب الضرائب، واتخذ مستوى العيش طريقه إلى المزيد من الانخفاض، وبدأ الناخبون الفرنسيون يحسون بخطورة الوضع الذي ساهموا في إقامته، وعلى هذا فقد بدأت ترتسم في الأفق ملامح الانتقاض على هذا الوضع والتنكر له، بعد أن كان أمل الاستقرار والقوة والعظمة منذ شهور فقط.
وتحتاج فرنسا الآن أزمة نفسية حادة هي أخطر ما يواجه الشعوب في أكثر فترات حياتها جرحا ودقة، وكانت الدورة الأولى للانتخابات البلدية الفرنسية (8 مارس) مناسبة للتعبير عن وجود هذه الأزمة المعقدة التي هي في نفس الوقت أزمة «اتجاه» و «نظام».
لقد أسفرت الانتخابات عن تقدم محسوس في صفوف القوات اليسارية بما فيها الحزب الشيوعي الفرنسي، بينما أفضت- من جهة أخرى- إلى صورة معاكسة بالنسبة لبعض المنظمات اليمينية المغالية.
ولقد كان لذلك شديد الوقع في المحافل اليمينية الفرنسية، وخاصة في أوساط «الغلاة» في فرنسا والجزائر على السواء.
والواقع ان نتائج هذه الانتخابات لا تعنينا كثيرا من حيث اللون الذي قد تضفيه على الوضع السياسي الداخلي في فرنسا، ,إنما الذي يعنينا كثيرا هو ما توحيه من شواهد الانحلال الذي أخذ يتسرب إلى هيكل النظام السياسي المنبثق في فرنسا عن انقلاب 13 مايو.
ويضاعف من حدة «أزمة النظام» في فرنسا، ازدياد خطورة الوضع في الجزائر وخاصة من الناحية العسكرية، وقد أعربت صحيفة «ريفارول» عن الجانب من هذه الأزمة النفسية التي تجثم على الكثيرين في باريس، وذلك حينما تساءلت عن «الجنرال دوكول، وهل يجديه في إيجاد حل للمشكلة أن يطهر الجزائر من عناصر الشقاق التي أحاطته بعطفها منذ تسعة أشهر فقط. تقول الصحيفة: أن الأمر على أكبر جانب من الخطورة، وأننا لم نفتأ نردد منذ أسابيع، أن الحالة في الجزائر لم تكن في أي وقت على ما توجد عليه اليوم من التعفن والتدهور، ولم تكن المعارك على هذه النسبة من الشراسة والضراوة، ولم تكن البلبلة أكثر تخييما على القطر بالقدر الذي توجد عليه الآن ... »