تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.) صدق الله العظيم.

ويضيق المقام عن تتبع هذه الآيات الكريمة وإبداء ما فيها من ضروب البلاغة وطرق التأثير، ولكنا لا ننسى أن ننبه على ما يصحب الدعوة فيها إلى الإنفاق من إرشاد إلى الأدب اللازم في ذلك، والذي تكون مخالفته سبيا في إحباط العمل وإضاعة ثوابه الجزيل. وأهم ذلك عدم المن بالعطاء وكونه من طيب الكسب، وما زالت الآيات الكريمة تترقى بالمؤمن في درجات البر والإحسان حتى وصلت به إلى أعلى الدرجات وهي درجة الذين ينفقون في سبيل الله في كل وقت وحين، ولا يملون من الإنفاق، ليلا ونهارا سرا وعلانية، فطوبى لهؤلاء، ما أعظم قدرهم .. أنهم لا يخافون ولا يحزنون، يوم يحزن الناس ويخافون، وأما جزاؤهم فهو عند الله عظيم .. !

وجاء في آية أخرى أن البر ليس هو الصلاة والصوم والأعمال البدنية الأخرى، ولكنه هو مع هذه الأعمال، إيتاء المال على حبه لذوي الحاجات. والآية الكريمة التي تقول: «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» تجعل حقيقة البر لا تنال إلا بإنفاق أطيب الكسب وأحب الممتلكات إلى الإنسان. وقد أخذ الصحابة رضي الله عنهم بذلك، فكانوا ينفقون أحسن أملاكهم وأكثرها غلة على وجوه البر والإحسان، كما فعل عمر وأبو طلحة وغيرهما. بل إن عبد الله ابن عمر كان يتصدق على الفقراء باللوز والسكر أي ما نسميه عندنا في المغرب بالعقدة، ويقول اني أحبهما والله تعالى يقول: «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ».

وتتضافر السنة النبوية مع القرآن الكريم، فتفيض فيها الأحاديث بمدح الجود والسخاء وإنفاق المال في مشاريع البر والإحسان، حتى أنها لا تعتبر شيئا من العمل يصح أن يغبط الناس بعضهم بعضا عليه، إلا نشر العلم وبذل المال. وهاك ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد: «لا حسد الا في اثنتين، رجل آتاه الله علما فهو يعلمه الناس، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق» وتأمل عبارة سلطه على هلكته، فهي تشير إلى أنه لا يبقى ولا يذر في هذا الباب، وذلك هو ما أوجب مدحه بحيث أصبح موضع غبطة شرعية للناس.

ولا يتسع المجال لإيراد الأحاديث التي جاءت في هذا الموضوع، لأنها كثيرة جدا لا يأتي عليها العد، ومع ذلك فإننا نورد منها تفاريق مما يعطي صورة عن العدالة الاجتماعية التي ضمنها الإسلام لإتباعه ولمن عاش تحت ظل حكمه الوريف.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو سعيد الخدري: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له»، قال أبو سعيد: «فذكر أصنافا من المال حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل» ونستطيع أن نعرف هذه الأصناف التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم و لم يبينها الصحابي الجليل من طرفي الحديث الذي اشتمل أوله على

مطالبة من له مركوب فاضل أن يساعد به من لا مركوب له وآخره على مطالبة من له طعام فاضل أن يطعمه من لا يجد طعاما، فيبن الطرفين مجال يستوعب جميع أنواع التكافل ويتيح من فرص العيش الرغيد ما يحقق تكافؤ طبقات المجتمع عامة، ويؤد هذا الحديث قوله تعالى «ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو» أي الفضل مما يجدون.

ويقول النبي صلى اله عليه وسلم في بعض حديثه الذي بين به حقوق الجار: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم» وجاءه رجل فقال: يا رسول الله أكسني، فقال له: «أما لك جار له فضل ثوبين؟ قال بلى، قال: فلا يجمع الله

بينك وبينه في الجنة» ولا شك أنه إذا اهتم كل واحد بجاره هذا الاهتمام، لم يبق في المجتمع الإسلامي من يشتكي الخصاصة والفقر، ويزداد الاهتمام بضمان أسباب الحياة الكريمة للفرد في المجتمع الإسلامي الى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فراش لك وفراش لأهلك وفراش لضيفك، والرابع للشيطان» فمن لم يفرش لهؤلاء البؤساء المشردين الذين يمتهدون الأرض ويلتحفون السماء وعنده فضل فراش، فهو آثم في شريعة الإسلام، يؤوي الشياطين كل ليلة إلى بيته ويطرد الملائكة.

وهذه التعاليم الإنسانية العالية، قد اخذ بها المسلمون في الصدر الأول، فارتفعت معنوياتهم، وعاشوا عيشة مثالية لم يسمع بها فيما مضى ولا فيما غبر، وناهيك بما كان يقع بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة بعد أن آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم من المواساة والإيثار حتى روى أن سعد بن الربيع الأنصاري قال لعبد الرحمن بن عوف وكان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينهما «إني أكثر الأنصار مالا، فاقسم لك نصف مالي، ولي امرأتان فانظر أعجبهما لك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها» فقال عبد الرحمن: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق» فذهب وباع واشترى فما لبث أن استفضل وتزوج.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٠٥