وهل هناك أكرم من أن يتعود الإنسان التحكم في إرادته، والقدرة على إخضاع نزواته، والسيطرة على حاجاته الحيوية المادية، والصبر على آلام الجوع والعطش من غير إكراه يلزمه ذلك، أو مراقبة تفرض عليه، وإنما استجابة لصوت الضمير، وتنفيذا لأمر الله؟
ذلك أول مظهر من مظاهر كرم رمضان، فهو يسمو بالمسلم الذي يصومه إيمانا واحتسابا عن درك الحيوانية، ويرفعه درجات عن أوضار المادة وقيودها، ويتجه ينظره وفكره وشعوره إلى عالم التجرد والجلال عالم الصفاء والطهر، حيث لا يحول بين الإنسان وبين استجلاء عظمة خالقه كثافة المادة ولا أثقالها، وحيث تزول عن عيني الإنسان تلك الغشاوة التي تخلقها البطنة وتراكم الدهن وبطر النعمة واستعباد الترف.
*
ورمضان كريم فيما عدا ذلك أيضا، فهو شهر المبرات والصدقات، تنشرح فيه النفس للإحسان، وتتسع آفاقها لمشاركة البائسين وجدانيا آلامهم، ومشاركتهم عمليا في النعمة التي أتاحها الله، وجعل فيها حقا معلوما فيها للبائس والمرحوم.
وإذا كان العصر الذي نعيشه لا يقول بالإحسان، وإنما يقول بإتاحة الفرصة، فلا أقل- ريثما يتاح ذلك- من أن نسير في الإحسان إلى ابعد حدوده الممكنة، على أن يكون إحسانا منظما، وبكيفية تحفظ على المواطنين كرامتهم وإنسانيتهم، ولعل في الكيفية التي نظم بها الإسعاف في هذا الشهر من هذه السنة بالذات ما يحقق شيئا من ذلك، وإن كانت الحاجة إلى تكافل المواطنين وتساندهم لا تقتصر على شهر بعينه، وإنما هي دائمة مستمرة.
ونحن نقترح بهذه المناسبة، ان تفرض ضريبة خاصة، وتصاعدية على راتب الموظف ودخل التاجر وأجر العالم، وعلى جميع المستهلكات التي تدخل في الترفيه والكماليات، تكون الغاية منها تمويل إسعاف منظم مستمر، ينال منه العاطل ريثما يجد عملا، والعاجز ريثما يسترد القدرة على السعي، ويتبع كل ذلك، القضاء نهائيا على ظاهرة التسول المخجلة التي لم تعد كما كانت من قبل محصورة في الأزقة والدروب الضيقة، ,إنما أسفرت عن وجهها نهائيا، وخرجت إلى الشوارع العامة والمقاهي، حيث يكثر الأجانب والسواح، وحيث يصعب على من يرغب في الإحسان، أن يميز من يطلبه لحاجته إليه، ومن يطلبه احترفا، وما أكثر هؤلاء وأولئك معا، وما أصعب التمييز بين الفريقين.
*
ورمضان كريم فيما عدا ذلك أيضا، فالصيام عبادة، والعبادة لبست مجرد عمل تؤديه الجوارح، وإنما هي قبل كل شيء تأمل وتفكير، والتأمل الصحيح والتفكير العميق الصادق، لن يؤدي كل منهما إلى ما هو خير وجمال وصدق، وقد علمنا الدين أن من تمامك الصيام إمساك اللسان عن الثرثرة وكثرة الكلام في غير موضوع مفيد، حتى لا ينزلق اللسان إلى معصية، أو ينشغل القلب عن التأمل بسفساف القول وتافه الكلام.
وقد كنا جديرين كمسلمين، أن نلحم ألسنتنا وأقلامنا- خلال شهر الصيام على الأقل- عما تزخر به بعض صحفنا من التفاهات والترهات، وتبادل الفضائح والإشاعات، والنيل من كرامة الناس ونهش لحومهم، وغير ذلك مما لا يفيد إلا في توسعة شقة الخلاف، ولا يستفيد منه إلا المستعمرون.
وهل أحب إلى هؤلاء وأجدى عليهم من فتح جبهات داخلية للحرب في بلادنا، تصرفنا عنهم وعن عبثهم واستهتارهم وكيدهم وتربصهم بنا الدوائر؟
لقد كنا جديرين أن نتخذ من شهر الصيام هدنة، إن لم نتخذ منه فرصة لمراجعة مواقفنا ومحاسبة أنفسنا!
لفائدة من هذه المعركة التي كنا في غنى عنها؟
لفائدة من نبذر بأيدينا في صفوفنا بذور الشك والحيرة والبلبلة؟
لفائدة من نحاول أن نحطم قادتنا وأن نجردهم من كل فضيلة؟
إن الخلاف في الرأي والوجهة وأسلوب التفكير شيء من طبيعة الكون، لا يمكن لأية قوة أن تقف في وجهة أو تحول دون حدوثه، ولكن الذي ليس طبيعيا ولا معقولا هوأن ينقلب الخلاف في الرأي أو الوجهة أو أسلوب التفكير إلى معارك غير ذات أهداف واضحة، ينعدم فيها الاحترام نهائيا، وتموت الكرامة، وتنطلق أبالسة الشر لتجري على الأقلام سما قاتلا.
إن الله تبارك وتعالى يقول: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، مهلا سار كل منا في وجهته، واستبقنا الخيرات؟
أما الخيرات بالنسبة لأحوالنا وظروفنا فهي تحقيق الأهداف الوطنية والاجتماعية، وستكون المعركة حتما لمن يستطيع أن يجد الشجاعة الكافية