تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبحركة لا شعورية مددت يدي إلى عنقي اخفي «الربطة» المشؤومة، عندما أضافت: اقصد انك ما تزال محتفظا بكبريائك.

نعم اعرف أنك لا تعنين ربطة العنق هذه المرة، الربطة الكالحة التي لم تتغير قط فماذا تعنين إذن؟

كبريائي .. وهل ترك لي «الشاوش» شيئا اسمه الكبرياء؟ هل تركت لي الحاجة قليلا منها؟

أية حرب باردة هذه التي يعاملني بها «السيد» الشاوش، كأني به يريد أن يوفقني على «رجلي» فأتمسح به واستعطفه .. سأفعل ذلك، لأنني أريد من الله لا «يخيبني» وأنا اطرق باب العمل لأول مرة سأفعل .. اقسم أنني سأفعل.

وافقت من خواطري على صوتها قائلة: ماذا تعمل الآن؟

قلت: ما زلت طالبا.

ومدت لي يدها مودعة، وهي تحدق في «مركب النقص» عندي .. ربطة العنق.

ثم خرج «الشاوش» من مكتب المدير طلق المحيا، ولكنه سرعان ما غير سحنته عندما رآني وهو يصيح: أنت .. ماذا تريد هنا؟

وفتحت فمي: أريد مقابلة المدير .. يا ...

وقاطعني بصوته المجلجل: المدير

قالها في استنكار، وهو يعبث من جديد بحذائي وربطة العنق ... ثم أضاف: غير موجود.

ألف مرة موجود، ألم يشرب الشاي ويعلن لك من إعجابه، ألم تبعث «الشاوش» الذي أبطأ كثيرا- ليشتري علبة سجائر «أمريكان»؟؟ ثم تقول أنه غير موجود.

وبصوت مختنق، قلت وأنا أواجهه بنظراتي الحادة:

- أنه موجود .. أقسم لك.

- تكذبني إذن؟

ولم أجب، بينما أشعل لنفسه سيجارة راح ينفث دخانها في الهواء، واستدار إلي قائلا: أنه لن يقابلك أبدا.

كانت هذه الجملة خنجرا مسموما، جعلتني كالثور الذبيح الذي لا يرضى أن يموت قبل أن يعلن وجوده، ولو برفس الرجلين. ورفست أنا الآخر ببقية من كبرياء، وخرجت الكلمات متوالية: وهل أنت الرئيس؟ سأقابله؟ وسأبلغ بك، أنني أريده في شأن هام جدا.

ولم يظهر على الشاوش أي تأثير وهو يواجهني بنظراته الباردة، بينما سمعت في الممر الطويل حذاء يضرب الأرض في قوة وثقة، ويقترب منا، كانت هي .. جميلة، لتبتسم ابتسامتها الساخرة أبدا، وفي يديها الكراريس، ووقفت بيني وبين الشاوش، ثم قالت: مالكم؟

واحنيت راسي إلى الأرض، عندما اخبرها الشاوش إنني أريد مقابلة الرئيس، فقالت له: هل منعته كعادتك؟

وأجاب: الرئيس غير موجود، هذا هو كل شيء.

ووضعت الكراريس على الطاولة التي كانت قربنا، ثم تناولت ورقة صغيرة مدتها إلي قائلة: أكتب هنا، سأقوم أنا بعمل محمود.

وثار «محمود» لهذا التدخل في الاختصاصات، بينما أخرجت قلمي لأملا الورقة الصغيرة.

اسم الزائر: اسمي أنا؟ أي شيء هو هذا الاسم الحقير؟ أي إغراء فيه يدفع الناس لأن يعجبوا به أو يفكروا فيه؟ ما هي قيمته؟ عائلة غير معروفة ...

ولا أنا معروف. ثم ... ما هو غرضي من الزيارة؟ أن أطلب عملا.

يجب أن لا تعرف الفتاة الجميلة هذا، فإنه قاس أن تحني راسك مرة أمام الناس الذين كنت معهم مرفوع الرأس دائما في السماء.

مع ذلك فقد ملأت الورقة، وأخذتها مني، ثم ذهبت إلى مكتب الرئيس ونقرت عليه .. ودخلت.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٧٣