تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن أتذرع بالشجاعة فلا أتراجع أمام هذه الإحساسات الأولية؛ فصممت على العثور على عمل يضمن لي البقاء في المدينة، وقد سهل لي الأمر شريكي في الغرفة فعرفني على صديق له يدير داكانا لصناعة الأحذية، ورأى في هذا الأخير شابا ساذجا يمكن أن يبذل أقصى المجهودات دون أن يتأفف أو يطلب أجرا مرتفعا، ومع الأيام انعقدت بيني وبين «معلمي» علاقة تشبه الصداقة، خاصة بعد أن عرف أنني غريب عن البلدة، فكان يستدعيني من حين لآخر إلى بيتهن وكثيرا ما يكلفني بقضاء بعض حاجياته، وبذلك أصبحت أتردد على البيت في غير ما كلفة.

وذات يوم لاحظت وجود فتاة في بيت «معلمي» لم يسبق أي أن رأينها .. كانت ذات مسحة من جمال حزين، معتدلة القوام، مسرفة في الصمت .. وتطلعت إليها في اهتمام وهي تساعد زوجة «معلمي» في أشغال البيت، وعندما ابتعدت ابتدرتني قائلة:

- هل أعجبتك؟ لقد أطلت إليها؟

- أبدا .. إنما أراها تختلف عن الخادمات فمن تكون؟

- إنها يتيمة جاءت من مدينة «سبتة» ولم تجد من يؤيها فأتت بها «أمي فطومة» لتشتغل عندها إلى أن تصادف «ابن الحلال».

وقلت في اهتمام:-هل أنت متأكد من أنها يتيمة؟

- نعم .. كل التأكيد ..

طيلة ذلك اليوم تركز تفكيري في الفتاة اليتيمة، وطافت بذهني أحلام دافئة، واستيقظ في نفسي الشوق إلى الاستقرار الهادئة… فقلت في نفسي: إن الوحشة سيقرب ما بيننا، كلانا نزح عن موطنه وذاق مرارة التشرد .. ساجد فيها البلسم الشافي .. وستذوب في بسمتها كل متاعبي .. وفي الليل بدلا من أن آوي إلى غرفة حقيرة تنتظرني فيها الوحدة والسآمة، ألجأ إلى زوجتي لأجد عندها الحب والحنان والدفء والقبل .. سأطلق حياة العزوبة بما فيها من ضياع وامتهان لاستقبل حياة الدعة والاستقرار.

وكان علي أن أبادر بالإفضاء برغبتي إلى «معلمي» حتى يمهد الأمر، وحينما انتهيت من عرض مشروعي أجابني وقد علت شفيته ابتسامة رقيقة:

- الله يحب الحلال .. ولا يسعني إلا أن أبارك وأشجع.

كانت فرحتي عظيمة لم أطلق حبسها في نفسي، فأردت أن أعلنها إلى كل من أعرفه، ولكنني تذكرت أن هذا الإعلان يستتبع توسعا في الدعوة إلى العرس، وميزانيتي لا تحتمل ذلك .. فقررت إلا أخبر أحدا سوى شريكي في الغرفة الذي استقبل الخبر في سخرية كأنه يعلم مقدما أنني سأعود في يوم ما إلى غرفتنا الصغيرة.

وعندما أخبرت زوجة «معلمي» بأنني لن أقيم حفلة للعرس، تجهم وجهها واعترضت بشدة، فأدركت أنها أصيبت بخيبة إذ لم تكن تشجعني عبثا على الزواج، فقد كانت تنتظر من وراء ذلك أن تكون مشرفة على الاستعدادات التي تسبق العرس .. ففراغ نسائنا يدفعهن إلى تشجيع عزاب العائلة على الزواج ليجدن في ذلك متعة وتغييرا لحياتهن الرتيبة، على أن الذي أسرني هو موافقة «راضية» زوجتي للشكل الذي ارتأيت أن يتم عليه عرسنا .. نتعشى في بيت «معلمي» ونسهر سهرة عائلية ننتقل بعدها إلى بيتنا دون أن أستلف مقدارا ضخما أقيم به حفلة العرس.

انسابت الأيام الأولى من حياتي الزوجية لينة هادئة، زاد أثناءها إعجابي بزوجتي إذ كانت مسالة لا تهتم بالمظاهر، وتتحمل راضية ما كان في عيشتنا من شظف، وذات يوم فوجئت بها ترجوني أن اكتب لها رسالة إلة زوجة أبيها «بسبتة» لتطمئنها على مصيرها .. فلم أجد من اللائق الاعتراض على طلبها، وبعد فترة وجيزة تلقينا رسالة من زوجة أبيها تخبرنا أنها آتية لتمضي عندنا أياما قليلة.

لم أشأ أن أحمل نفسي فوق ما أستطيع لأبدو في عين الزائرة أكثر مما أنا في حقيقتي .. لقد كنت أشتغل اليوم بأتمه وما أربحه في النهار يذهب به الليل .. ليست لي ضمانات ضد المرض والتعطل من العمل، ومع ذلك أقدمت على الزواج .. لماذا؟ لأنني كنت أفضل طعم الحلال على اختلاسات الحرام، وربما لأنني لا أحس ذلك، لست أدري، وأيضا لأنني لا أستطيع أن أترك الوحشة تنهشني.

وصلت الضيفة، وحرصت على أن يكون غداء اليوم الأول فاخرا بعض الشيء .. ولم أستطع فهم خطوط شخصية ضيفتنا، فقد كانت تقتضب في حديثها معي وتصطنع الحشمة المتناهية كما تقتضي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٦٨