دون بعض، واتباع السلف أولى، انتهى ما قاله الحافظ بن حجر. وعلى ما تقرر هنا من أحاديث وكلام الأيمة الأثبات فقد استفدنا أن الأذان لم يكن على الصومعة بعد جلوس الخطيب على المنبر، بل لم يكن حتى أذان واحد فضلا عن ثلاثة مؤذنين متعاقبين، وهذه غلطة ارتكبها الناس قديما ومرت عليها أجيال بل قرون.
الأذان للجمعة كغيره من الصلوات واحد
قال الحافظ أبو بكر بن العربي الذي عاش في القرن السادس الهجري في تفسير آية النداء للجمعة:
قوله إذا نودي للصلاة: النداء هو الأذان، وقد بينا جملة منه في سورة المائدة، وقد كان الأذان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة كسائر الأذان في الصلوات: مؤذن واحد إذا جلس صلى الله عليه وسلم على المنبر (يعني بباب المسجد كما قدمنا)، وكذلك كان يفعل عمر وعلي بالكوفة، ثم زاد عثمان أذانا ثانيا على الزوراء حيث كثر الناس بالمدينة، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخطب عثمان. وفي الحديث الصحيح أن الأذان كان على عهد النبي صلى اله عليه وسلم واحد، فلما كان زمن عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة فجعله ثالث الإقامة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: بين كل أذانين صلاة لمن شاء. يعني الأذان والإقامة، فتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد، فكان وهما على وهم، ورأيتهم بمدينة السلام يؤذنون بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية، وكل ذلك محدث، انتهى بالنص.
وكذلك لم يكن حديث الإنصات يروى عند جلوس الإمام على المنبر، بل الرسول هو الذي كان يأمر الناس بالإنصات إلى خطبة الجمعة.
يقول الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: وكان (أي النبي عليه السلام) يأمر الناس بالدنو منه ويأمرهم بالإنصات ويخبرهم أن الرجل إذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا، ويقول: من لغا فلا جمعة له، وكان يقول: من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة، رواه الإمام أحمد رحمه الله.
وعلى ما أسلفنا يكون عملنا على خلاف ما كان عليه الحال في حياة الرسول وخلفائه الراشدين، وفي عملنا تضييع لكثير من الأوقات مع مخالفتنا للسنة، ومع تضييع الأموال في هذه الأعمال، وقد يكون هناك أشياء أشد حاجة لصرف الأموال فيها من هذه الأعمال، كإصلاح المساجد المتلاشية أو المتهدمة. وعلى فرض أن عملنا لم يكن مخالفا، وإن كابرنا ورددنا النصوص الصريحة، إلا أن اتباع السلف أولى، وتضييع أوقات المنتظرين للصلاة وأموال الأحباس لا ينكره منصف، فما رأي علمائنا فيما نقوله وما يرونه من إجراءات للعودة إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟