دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 04
هل يكفي للنجاة قول: لا إله إلا الله
للأستاذ: السيد أبي الأعلى المودودي
تعريب: محمد عاصم الحداد
«من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم «من قال لا إله الله دخل الجنة» فهذا الحديث يبشر الإنسان بدخول الجنة بمجرد أن يؤمن بالله ووحدانيته، سواء آمن ـ مع هذا الإيمان بالله ووحدانيته ـ بالرسول أو لم يؤمن، على حين أن القرآن يؤكد الإيمان بالرسول بشدة لا مزيد عليها في غير آية من آياته، حتى أن الإنسان لا يمكنه على حسب بيان القرآن، أن يهتدي إلى طريق الحق أو ينال نصيبا في الآخرة إن لم يؤمن بالرسول. وفوق هذا، فإن الحديث لا يشترط على الإنسان لنجاته في الآخرة أن يعمل صالحا، مع أن العمل بالصالحات، وإن لم يكن من أجزاء الإيمان، لا نجاة بدونه، والقرآن لايبشر بالفوز والغفران والجنة والنعيم في الآخرة إلا من كان مع إيمانه قد عمل الصالحات، كما يتضح هذا من غير آية من آيات القرآن كآية (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ... ) أو كآية (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيأته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار .... ) أو كآية (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ..... جزاؤهم عند ربهم جنات عدن ... ) مثلا: فبناء على كل هذا من رأينا أن هذا الحديث معارض للقرآن، وعسى أن تكتب إلينا برأيك حتى تطمئن قلوبنا ونعلم أن الرسول قد صدق».
هذا ما وصلني به أحد أصدقائي من مدينة ... فكتبت إليه بما يلي:
إن أول ما يجب أن يزول عن الدهن بشأن هذا الحديث هو أنه معارض للقرآن، فإن القرآن نفسه قد جاء فيه من الآيات ما يدل على نفس المعنى الذي يدل عليه هذا الحديث كآية «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة بالجنة التي كنتم توعدون» (السجدة: 30)، فكما أنه لا يصح أن يستخرج من هذه الآية أن مجرد الإعتقاد بالتوحيد يكفي في النجاة والغفران ودخول الجنة دون ما حاجة إلى الإيمان بالرسول وعمل الصالحات، كذلك لا يصح أن يتطرق إلى الذهن هذا الخيال الفاسد من الحديث المذكور، وكما أن هذه الآية لا تعارض ما سردت من الآيات في سؤالك، كذلك لا يعارضها هذا الحديث.
هذه واحدة، والثانية أن هناك خطأ يتورط فيه عامة الناس عندما يحاولون فهم القرآن والحديث وهم أنهم يشتهون أن يجدوا القرآن والحديث، كعامة التصانيف الإنسانية يبينان كل موضوع بتمامه وكماله في موضع واحد، إلا أن الواقع ليس كذلك.
فقد نزل القرآن منجما خلال 23 سنة على فترات مختلفة على حسب ما اقتضته الحالات والحاجات المختلفة، وكذلك جاءت أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليمه متفرقة في مختلف أحاديثه حسب ما اقتضته الحالات والحاجات المختلفة. وكل ما ذكر في القرآن، وكذلك في الحديث هو على نوعين: تعاليم الإسلام الأساسية، وتفاصيل هذه التعاليم جاءت متجمعة في موضع ومتفرقة في مواضع أخرى حسب ما عرض للمجتمع الإسلامي من الأحوال والحاجات المتطورة المتنوعة. فعلى هذا، إننا إذا أردنا الاستنتاج الصحيح سواء من آيات القرآن أو من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فلابد أن نلقي عليهما نظرة شاملة، وإما إذا التقطنا جزءا من آية واحدة أو حديث واحد صارفين النظر عن سائر الأجزاء المتعلقة به المذكور في سائر آيات القرآن أو