هذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين ومن التضحية والإيثار والود والصفاء، وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر أودهم. فالأنصاري طاب نفسه بإمداد أخيه بكل خير ميسر والمهاجر أبي وأنف أن يستغل ويأخذ إلا زهاء ما يتبلغ به.
لا يتناطح كبشان في أن المرء يقف مبهورا مبهوتا أمام هذه الصور الأنيقة من الأخوة المتينة والإيثار المتبادل والحب الخالص لوجه الله عز وجل والود الصافي الذي لا مثيل له في تاريخ الأمم الأخرى.
وقد أثر في صدور المهاجرين الطبع الحسن والمعاملة النفيسة التي ألفوها عن إخوانهم الأنصار، فلهجت ألسنتهم بذكرها والثناء عليها.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَإِ حَتَّى خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ. فَقَالَ النَّبيُّ صلي الله عليه وسلم: «لاَ مَا دَعَوْتُمُ اللهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ». (1)
وتدرجت هذه المؤاخاة وتطورت حيث ترتب عليها توارث المتآخين دون ذوي الأرحام، وظل هذا التوارث إلى حين وقعة بدر، ثم نسخ، وذلك لأن التوارث بين المتآخين كان لمعالجة ظروف استثنائية مرت بها الدولة الناشئة، فلما ألف المهاجرون جو المدينة وعرفوا مسالك الرزق فيها، وأصابوا من غنائم بدر الكبرى ما كفاهم رجع التوارث إلى وضعه الطبعي المنسجم مع الفطرة البشرية على أساس صلة الرحم، وأبطل التوارث بين المتآخين. (2)
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الرجل يعاقد الرجل، فإذا مات ورثه الآخر، فأنزل الله عز وجل: [وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا] (3) يقول: إلا أن توصوا لأولياكم الذين عاقدتم. (4)
بقاء المؤاخاة دون التوارث:
وخليق بالذكر أن الملغى من نظام المؤاخاة هو الإرث، وأما مايتعلق بالنصر والتعاون فهذا باق ودائم، هكذا مروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما [وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِى] قَالَ وَرَثَةً. [وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ] كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِى رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ. فَلَمَّا نَزَلَتْ [وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ] نُسِخَتْ، ثُمَّ قَالَ [وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ] مِنَ النَّصْرِ، وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِى لَهُ. (5)
وقال الإمام النووي رحمه الله: أما ما يتعلق بالإرث فيستحب فيها المخالفة عند جماهير العلماء،وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق، فهذا باق لم ينسخ. (6)
وظل النبي صلي الله عليه وسلم يجدد الإخاء بين أصحابه وفق اعتناقهم الإسلام حتى بعد غزوة بدر.
وقد آخي بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي رضي الله عنهما، وسلمان الفارسي أسلم عقب أحد وأوّل مشاهده الخندق، وآخي بين أبي ذر ومنذر بن عمرو رضي الله عنهما فأبو ذر مهاجر ومنذر أنصاري، وأبو ذر قدم المدينة بعد سنة ثلاث (7) والمؤاخاة بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي رضي الله عنهما ثابتة بالحديث الصحيح، حيث رواه البخاري أن أبي جحيفة ا قال: آخَى النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. (8)
ومن المؤرخين من أنكر استمرار المؤاخاة بعد غزوة بدر كالبلاذري. (9)
والحق مع مؤيديه للبراهين الحاسمة كما ذكر قبل قليل، والجواب عما التبس على منكريه: بأن المؤاخاة وقعت عقب قدوم النبي صلي الله عليه وسلم المدينة ثم استمرت، لا أنها وقعت دفعة واحدة فقط، وأن المنسوخ هو التوارث بالمؤاخاة لا المؤاساة والتآزر. (10)
العامل الداعي إلى نظام المؤاخاة:
وقد واجه المهاجرون إلى المدينة مشاكل متنوعة ومآزق متعددة، منها:
المشكلة الاقتصادية:
من أعضل المشاكل التي واجهها المهاجرون الأزمة الاقتصادية،فإنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وصودرت ثرواتهم وممتلكاتهم، وهم نجوا بأنفسهم ليس لهم ملجأ يأوون إليه، ولا عمل يعملون لمعيشتهم ولا مال يتجرون فيها، فيجدون فيها قواما من العيش، ويزيد عدد اللاجئين إلى المدينة يوما فيوما، فقد أذن بالهجرة لكل من آمن بالله ورسوله.
ومن المعلوم أن المدينة لم تكن مدينة نامية غنية بمعادنها وركازها غزيرة الموارد والمصادر.
وعلى صعيد آخر: فرض عليها مناوئوهم الحصار الاقتصادي وقامت القوات المعادية للإسلام يشبه مقاطعة اقتصادية حتى استفحلت الأزمة الاقتصادية وتزعزع بنيانها وكاد ينهار وساءت الظروف المحيطة بهم. (11) فكان الحل الأمثل لهذه المشكلة هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ليشارك بعضهم بعضا في السراء والضراء.
(1) سنن الترمذي: 33/44 ح 2675
(2) المجتمع المدني في عهد النبوة: 77
(3) الأحزاب:6
(4) تفسير ا لطبري: 5 /52، فتح الباري: 1229
(5) صحيح البخاري: 65/7 ح 4580
(6) شرح النووي على صحيح مسلم: 1 / 6505
(7) فتح الباري: 4 /727
(8) صحيح البخاري: 4 /726 ح 1968
(9) فتتح الباي: 4 /427، والمجتمع المدني في عهد النبوة ص: 78
(10) فتح الباري: 4 / 429
(11) الرحيق المختوم: 154