3. الربع الثالث من سورة الكهف
الآية 60، والآية 61، والآية 62: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ أي اذكر أيها الرسول حينَ قال موسى لخادمه "يُوشَع بن نون": ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أي لا أزال أتابع السير حتى أصل إلى مكان التقاء البحرين ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾: يعني أو أسير زمنًا طويلاً حتى أصل إلى العبد الصالح - الذي أخبرني اللهُ تعالى به - لأتعلم منه ما ليس عندي من العلم.
?واعلم أنَّ سبب هذه القصة - كما ثَبَتَ في الصحيحيْن "البُخاري ومُسلم" عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنَّ موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِلَ: (أيّ الناس أعلم؟)، فقال: (أنا)، فعاتبه اللهُ على ذلك (لأنه أجابهم دونَ وَحْيٍ منه سبحانه)، فأوحى اللهُ إليه: (إنّ لي عبداً بمَجمع البحرين هو أعلم منك)، فقال موسى: (يا رب وكيف لي به)؟ - يعني كيف أصل إليه؟ - فقيل له: (احمل حوتاً في مِكتل - يعني احمل سمكة كبيرة في وعاء، (وفي رواية: أنه يُمَلِّحها، لتكون غذاءً له) - فإذا فَقَدته - (يعني في المكان الذي ستفقد فيه هذا الحوت) - فستجد هذا العبد هناك، فانطلَقَ هو وفتاه "يُوشَع بن نون" حتى وجدا هذا العبد الصالح واسمه "الخَضِر"، (وسوف يَتِمّ شرح باقي الحديث في مَوْضعه مع التفسير).
????? قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾: أي فلمّا اجتهدا في السَّير، ووصلا إلى مُلتَقى البحرين، جَلَسَا عند صخرةٍ وناما عندها، و ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ عند هذه الصخرة ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾: يعني فإذا بالحوت يُصبِحُ حيًّا - بعد أن كانَ مَيّتاً - ويَنزل في البحر، ويَتخذ له فيه طريقًا (كالنفق في الجبل).
?واعلم أنّ موسى عليه السلام عندما نام، كانَ "يُوشَع" (شِبه نائم)، فرأى الحوت وهو يَخرج مِن وعاءه ويَشُق طريقه في البحر، ولكنّ "يُوشَع" غلبه النوم، فنام ونسي خروج الحوت من المِكتل ودخوله في البحر.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ يعني فلمّا تَجاوزا المكان الذي نسيا فيه الحوت، وشعر موسى بالجوع: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا﴾ يعني أحضِر إلينا غداءنا، فـ ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ أي تعبًا وإرهاقاً.
الآية 63: ﴿قَالَ﴾ له خادمه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾؟ يعني أتَذكُر حين لجأنا إلى الصخرة التي استرحنا عندها؟ ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ يعني فإني نسيت أن أخبرك بما كانَ مِن أمْر الحوت، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ يعني: وما أنساني أن أذكُر لك ذلك إلا الشيطان، فإنّ الحوت الميت قد دَبَّتْ فيه الحياة ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ أي: وقفز في البحر، واتخذ له فيه طريقًا، وكان أمْرُه عجيباً.
من الآية 64 إلى الآية 70: ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ يعني: ذلك الذي حصل، هو ما كنا نطلبه، فإنه علامة لي على مكان العبد الصالح، ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا﴾: أي فرجعا يَتتبعان آثار مَشْيهما حتى انتهيا إلى الصخرة،