﴿فَوَجَدَا﴾ هناك ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهو "الخَضِر" عليه السلام (وهو نبي من أنبياء الله تعالى، وذلك على الراجح من أقوال العلماء)، والدليل على ذلك أنّ اللهَ تعالى عَلَّمه أشياءً مِن عِلم الغيب - كما سيأتي في القصة - وقد قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، والدليل على أنه ليس مَلَكاً أنه - كما سيأتي أيضاً في القصة - أرادَ مِن أهل القرية أن يُطعِموه، ومعلومٌ أن الملائكة لا تأكل.
?وقد ﴿آَتَيْنَاهُ﴾ يعني أعطينا الخَضِر ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ - وهي النُبُوَّة - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي مِن عندنا ﴿عِلْمًا﴾ عظيمًا (وهو بعض الأشياء مِن علم الغيب عن طريق الوحي)، فـ ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾؟ يعني هل تَأذن لي أن أتَّبعك لتُعَلِّمني شيئاً - أسترشد به وأنتفع - من العلم الذي علَّمك اللهُ إياه؟، فـ ﴿قَالَ﴾ له الخَضِر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أي لن تستطيع أن تصبر على اتِّباعي ومُلازمتي، (وقد أرادَ بذلك أنه سيَرى منه أموراً لا يُقِرّها موسى في شَريعته، والخَضِر لابد أن يَفعلها، فيَتضايق موسى بسببها ولا يطيق الصبر).
?وقال الخَضِر لموسى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾؟! يعني وكيف لك الصبر على ما سأفعله من أمورٍ يَخفى عليك عِلمها والحِكمة منها؟!، فـ ﴿قَالَ﴾ له موسى - وقد أصَرَّ على طلب العلم -: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ على ما أراه منك ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، فوافق الخَضِر، و ﴿قَالَ﴾ له: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ يعني فإنْ صاحَبْتَني ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ تُنكِرُه مِنِّي ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي حتى أكون أنا الذي يُبَيِّن لك حقيقته، دونَ سؤالٍ منك.
الآية 71: ﴿فَانْطَلَقَا﴾ يَمشيان على الساحل، فمَرَّتْ بهما سفينة، فطلبا مِن أهلها أن يَركبا معهم، فعرفوا الخَضِر، فحملوهما بغير أجر ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾: يعني فلمّا ركبا: قَلَعَ الخَضِر لوحًا من السفينة فخرقها، فـ ﴿قَالَ﴾ له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ وقد حملونا بغير أجر؟! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: يعني لقد فعلتَ أمرًا مُنكَرًا.
الآية 72: ﴿قَالَ﴾ له الخَضِر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ على صُحبتي.
الآية 73: ﴿قَالَ﴾ موسى مُعتذِرًا: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾: أي لا تؤاخذني بنسياني لشرطك عليَّ (فإنّ الناسي لا حرج عليه)، ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي: ولا تشُقّ عليّ في تعلُّمي منك، وعامِلني برفقٍ ويُسر (فقبل الخَضِر عُذره).
الآية 74: ﴿فَانْطَلَقَا﴾ يَمشيان بعد أن نزلا من السفينة ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ يعني: فبَينما هما يمشيان على الساحل: لَقِيا غلامًا يَلعب مع الغِلمان، فقتله الخَضِر، فأنكر موسى ذلك عليه، و ﴿قَالَ﴾ له: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾: يعني كيف قتلتَ نفسًا طاهرة لم تبلغ حدَّ التكليف ولم تتلوث بالذنوب؟!، ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؟! يعني وكيف قتلته وهو لم يَقتل نفسًا يَستحق بسببها هذا القتل (قِصاصاً)؟! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾: أي لقد فَعَلْتَ أمرًا تُنكِره الشرائع والعقول، (ولم تكن هذه نِسياناً من موسى كالتي قبلها، بل كان هذه المرة متعمداً، لأنه لم يُطِق فِعلاً مُنكَراً كهذا).