الحكمة من الأمر بالاستغفار عقب الأعمال الصالحة
ثم قال تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199]، أمر الله عز وجل باستغفاره، وذلك في خاتمة إتيان الإنسان بالمهمات من أنساكه، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان في خاتمة أعماله أن يكثر من الاستغفار، ولهذا حث الله عز وجل على الاستغفار في كثير من مواضع العبادة، منهاما جاء في الصلاة إذا انتهى الإنسان من صلاته أن يقول: استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، وكذلك أيضاً في هذا الموضع قال: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199]، أي: ينبغي عليكم أن تكثروا من الاستغفار إظهاراً لضعف الإنسان، وأنه حينما يأتي بهذه العبادة ينبغي ألا يظن أن له منةً، وأنه ما زال يطلب التوبة، وذلك لعظم نعم الله على عبده التي لا يحصيها الإنسان عداً فضلاً عن أن يتمكن من شكر المنعم عليها، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، فهو لا يحصيها عداً، فكيف يحصيها شكراً؛ لأن الإنسان لا يشكر ولا يجازي إلا ما علمه، فإذا كان لا يعلمها عداً فلن يجازيها شكراً، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكثر من الاستغفار إظهاراً لافتقاره وضعفه، وإظهاراً لكمال الله عز وجل وقدرته سبحانه وتعالى، ولهذا ذكر الاستغفار، وما ذكر غيره من الأدعية والأذكار وذلك لمنزلته وفضله، وكذلك أيضاً دفعاً لما يجده الإنسان من كبرياء في عبادته، أو اغتراراً بها، أو انخداعاً بها، فإذا جاء بعبادة ظن أنه قد جاء بشيء يستعظمه على ربه، وهذا حال كثير من الناس، فأصبح في كثير من البلدان يوصف الإنسان بالحاج فلان، وهو حج قبل خمسين سنة، وأصبح حاجاً كأنه حاج كل سنة، وهذا فيه تعظيم لأثر العبادة على الإنسان، وينبغي للإنسان حينما يأتي بعبادة أن يكثر من الاستغفار.