وسبب النزول هو ما في قصة عمر، وكذلك أيضاً في حديث قيس، والحديث في الصحيح, حينما جامع امرأته ليلاً, فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله عز وجل هذه الآية, والحال من جهة حكم الليل في ابتداء الأمر كان الناس يفطرون بعد غروب الشمس إلى صلاة العشاء, فإذا صلوا العشاء أمسكوا إلى السحر, ومن نام عن فطره إلى صلاة العشاء فإنه يمسك إلى الفطر الآخر, قالوا: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن قال: إنه كان محرماً ثم خفف, فالعلة في التحريم ليست منصوصة, ولكن الذي يظهر لي والله أعلم أن من دقائق التشريع مخاطبة النفوس مما يتعلق بما فيها مرض من المنافقين, وكذلك أيضاً النفوس البشرية مجبولة على حب التيسير, فشرع الله عز وجل الأشد حتى تجربه النفوس ولو مرة أو مرتين ثم يرجعه الله عز وجل على ما يريد الدوام عليه؛ حتى تتوطن عليه؛ لأن أمر الصيام ثلاثين يوماً جاء بعد صيام يوم واحد فرضاً, فالله عز وجل أول ما شرع الصيام فرض صيام يوم عاشوراء, ثم بعد ذلك شرع الله صيام رمضان وجعله على التخيير, والذين لا يصومون ويطعمون هم من أهل الضعف, إما أن يكون من ضعف القدرة في بدن الإنسان أو أنهم يرون أن ذلك على مسألة الاستواء أو ضعف الإيمان, وكل ذلك بحاجة إلى شيء من المعالجة, فأمر الله عز وجل بالصيام جملة واحدة ليلاً ونهاراً, وعدم إتيان النساء ليلاً, وذلك إذا جربته النفوس ما في قلبها مرض مما يصم الإسلام مثلاً بالشدة أنه إذا شرع ذلك الله عز وجل ثم ينزله إلى ما تتوطن عليه النفوس؛ وذلك أن النفس في ذاتها الأمر الوسط إذا رفعت إليه استثقلته, ولكنها إذا نزلت إليه استروحته؛ فالإنسان حينما تأتيه بماء معتل تريد أن يشربه لا يستسيغه؛ لأنه ليس ببارد, خاصة ممن اعتاد على البرودة والترف, ولكن إذا أطعمته حاراً ثم أتيته بالمعتدل فإنه يستلذه, وهذا من السياسة في التشريع, وسياسة الحكام مع الرعية, إذا أرادوا أمراً
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٣٥١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٣٥١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي