ولهذا جاء عند أبي داود في كتابه السنن من حديث داود عن حميد بن عبد الرحمن قال: (حدثني رجل صحب النبي عليه الصلاة والسلام كما صحبه أبو هريرة أربع سنين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن يغتسل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل يغترفا جميعاً، وأن يمتشط الرجل إلا غباً)، يعني: لا يستديم ذلك حتى يكون حاله كحال المرأة، ولكن يوماً بعد يوم, أو وقتاً بعد وقت، فيرجع الأمر إلى حاله وفطرته, ولا حرج على الإنسان أن يبقى على فرق وهو الأولى, وإذا كان على غيره فلا حرج في ذلك.
قص الشارب وكون لك من الفطرة
وأما بالنسبة لقص الشارب فهو من سنن الفطرة. واختلف العلماء في حكمه من جهة أصل الأخذ في ذلك، فذهب جماهير العلماء وهو قول العامة, وحكي هذا إجماعاً: أنه سنة وليس بواجب، نص على هذا النووي رحمه الله وغيره. وبعض الفقهاء ذهب إلى وجوبه, وهو رواية في المذهب، وذهب إليه ابن حزم الأندلسي رحمه الله، وهو من السنن المتأكدة، ومن سنن الفطرة، ويخرج من ذلك ما كان مبالغاً مما يؤذي الإنسان ويفسد عليه جسده، أو مطعمه ومشربه, فإن هذا أمر خارج عن ذلك, فإن هذا مما يأمر به الإنسان أمراً، أما أصل الأخذ والصفة في ذلك فإن هذا على السنية على قول عامة العلماء، وأما صفة الأخذ عند من قال بذلك فهذا مما اختلف فيه العلماء، فمن العلماء من قال بحلقه كاملاً، وهذا جاء عن جماعة من الفقهاء فروي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يحفه حفاً شديداً، وجاء هذا عن جماعة من الفقهاء من الشافعية ذهب إليها الربيع بن سليمان المرادي وكذلك ذهب إليه المزني، وأما الإمام الشافعي رحمه الله فلا أعلم أن له نصاً في ذلك صريح من جهة المقدار في أمر الأخذ. وأما الإمام مالك رحمه الله فإنه كان ينهى عن حلق الشارب, وإنما كان يحث على أخذ من طرف الشفة بحيث لا يتدلى الشارب، أما ما عدا ذلك مما علا فإنه لا حرج عليه أن يأخذه كما يريد.