أما الباطن سواء كان في الأبناء والبنات، أو في الأزواج، فإن الله عز وجل لا يؤاخذ عبده بما وجد في قلبه، ولهذا ربما بعض الآباء يجد ميلاً في قلبه لبعض أبنائه، أو يجد ميلاً في قلبه لذكر دون أنثى، أو لأنثى دون ذكر، والله عز وجل لا يؤاخذه بذلك، وإنما يؤاخذه في الأمر الظاهر ولو دق. ولهذا قد روى الحسين المروزي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يستحبون أن يعدلوا بين أبنائهم حتى في القبل، يعني: في القبلة، إذا قبل صبي غلام له فإنه يقبل الآخر, وذلك من العدل، وقد جاء في خبر مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء عن عمر بن عبد العزيز أنه كان جالساً, فجاء لرجل أحد أبنائه فأجلسه على فخذه, ثم جاء الآخر فأجلسه على الأرض, فقال: أجلسهما جميعاً على فخذك أو جميعاً على الأرض. وهذا من تمام العدل والإنصاف؛ لأن الأولاد يجدون في نفوسهم من الدقة في عدم الإنصاف ما لا يدركه الولي من دقائق الأمور لاختلاف نفوسهم، وتباينها عن نظرة الآباء، فالعدل الظاهر واجب في ذلك ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلاً.
حكم التعدد لمن عرف أنه لن يعدل
وفي قول الله جل وعلا: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، الله سبحانه وتعالى قيد الأمر بالنكاح أكثر من واحدة أن يكون ذلك بالعدل، وإذا غلب على ظن الإنسان أو تيقن أنه لا يعدل بين نسائه فهل يتحول ذلك إلى التحريم؟ نقول: إذا تيقن الإنسان من ذلك أو غلب على ظنه أنه لا يعدل في الأمر الظاهر فيحرم عليه حينئذ النكاح. واختلف فيما إذا غلب على ظنه عدم العدل، والوقوع في الحرام، فلا يدفع الحرام إلا بالزواج من ثانية وثالثة، وإذا تزوج من ثانية وثالثة لم يعدل، واختلف في هذا الأمر, منهم من قال: يتزوج ولو غلب على ظنه عدم العدل ويدفع الظلم قدر وسعه وإمكانه.