تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أيضاً إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي على هذا الأمر سواء كان ذلك في المشركين أو كان ذلك في المنافقين, ولهذا قد غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون في كثير من غزواته وهو يعلمهم بأعيانهم، ولكن لم يكونوا رأساً وأمراء على الجيش والجند, فإنه لا يجوز أن يؤمر الكافر ولا المنافق ظاهر النفاق على الجيش والجند، فإن النهي يدخل في هذا الأمر. وإذا كان الرجل فاسقاً وفسقه ظاهراً وليس بمنافق وهو من جملة المسلمين، فنقول: لا حرج من تأميره على الجيش إذا كان صاحب إسلام وصاحب إثخان وأمانة, فإن الرجل قد يكون فاسقاً من جهة عمله بمعصية تتعلق بحق الله, ولكنه مؤتمن في حق الأموال, وكذلك في أمور الأعراض وكذلك الإثخان, فيقدم على غيره. ولهذا كان في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من قادة الجند ممن يتلبس بالفسق ولم يكن ذلك موجباً لعزله, ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف وسعيد بن منصور من حديث إبراهيم عن علقمة لما كانوا في غزوة, وكان عليهم رجل من قريش, فشرب الخمر سكر, وفي القوم حذيفة و أبو مسعود , فاجتمع القوم عليه ليقيموا عليه الحد, فقال حذيفة: أتقيمون الحد على أميركم وأنتم على مقربة من عدوكم فيطمعون فيكم؟ فأبقوه أميراً, وأسقطوا عنه الحد حتى هزموا المشركين فرجعوا إلى عدوهم. وسبب ذلك أنه صاحب قوة, بل جاء بإسناد صحيح أنه قال لما ذهب عنه سكره: لأشربنها رغماً عنها ورغماً عمن أرغمها, يعني: يشرب رغماً عن الخمر ورغماً عمن أراد أن يقيم عليه العقوبة. وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله في السياسة الشرعية أن من كان فيه القوة والإثخان والأمانة, وأمن المسلمون جانبه فإنه يقدم على صاحب الديانة الذي فيه ضعف من جهة القوة والسياسة وغير ذلك.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٢٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير آيات الأحكامص ١٢٨٤