إذاً: الأمور المعنوية ربما تغلب الماديات، فينتصر له ولو كان شبراً، وربما يتقاتل المسلمون لأجل واحدٍ من المسلمين، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث عثمان بن عفان إلى أهل مكة وبلغه خبراً لم يكن صحيحاً أنهم قتلوا عثمان، جمع النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين وبايعهم على الموت لأجل عثمان عليه رضوان الله لما بلغه أن مشركي قريش قتلوه، ولهذا يرجع في هذا إلى الأمر، وذلك أن عثمان بن عفان أولاً لمنزلته وقربه من النبي عليه الصلاة والسلام، الثاني: أنه رسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قتله إهانة، بخلاف لو قتل أحدٌ من المسلمين ولم يكن ثمة أمان أو عهد كحال الرسل أو قتل عابراً، أو كان راعياً، أو نحو ذلك، ينظر في ذلك بحسب المصالح التي تكون للمسلمين، وذلك من الأمور المادية والمعنوية. وقوله هنا: وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246]، هذا على ما تقدم فيه الدفاع عن الأهل والعرض على ما جاء في حديث سعيد بن زيد، وكذلك أيضاً في الدفاع عن المال بمسألة الديار ونحو ذلك.
وقوع ما ظنه النبي من أن بني إسرائيل لن يقاتلوا
وقوله هنا: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:246]، هذا فيه إشارة إلى صدق ما ظنه النبي فيهم، وذلك أنه ظن بنظره إلى حالهم في السابق أنهم لن يقاتلوا في حال كتب الله عز وجل عليهم القتال، فلما كتب الله عز وجل عليهم القتال تولى أكثرهم عن المقاتلة، وكانوا في ذلك ظالمين لأنفسهم وظالمين لغيرهم.