تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سجْنُ المُؤمِنِ، ومَهْما بلَغَتْ مِنَ الجَحِيمِ فإِنَّها جَنَّةُ الكَافِرِ.

هذِهِ القِصَّةُ ذكَرَها العُلمَاءُ فِي تَرجَمَة ابْنِ حَجَرٍ رحمه الله، وَكَانَ ابْنُ حَجَرٍ قَاضِيَ القُضاةِ فِي مِصرَ، فمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَيتِهِ إِلَى مَقَرِّ عَمَلِهِ عَلَى العرَبَةِ، تجرُّها الخُيولُ، أَوْ البِغَالِ فِي مَرْكَبٍ، مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ برَجُلٍ يَهودِيٍّ زياتٍ -يَعْنِي: يَبِيعُ الزَّيتَ- فاستَوْقَفَ اليَهودِيُّ قَاضِيَ القُضاةِ، وقَال لَهُ: إِنَّ نَبِيكُم يَقُولُ: "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ" (١) كَيفَ يَتَّفِقُ هَذَا مَعَ حَالِي وَحَالِكَ، أنْتَ الْآنَ فِي نَعِيمٍ تَجُرُّك الخُيولُ، ولَكَ جَاهٌ وشَرَفٌ ومَنزِلَةٌ، وهُوَ اليَهوديُّ بهَذَا الذُّلِّ، ثِيَابٌ وَسِخَةٌ وتَعَبٌ، فكَيفَ هَذَا؟ !

قَال: نَعَمْ، مَا أَنَا فِيهِ الْآنَ بالنِّسبَةِ لنَعِيمِ الجنَّة سِجْن، لأَنَّ نعِيمَ الجَنَّةِ أعْلَى وأعظَمُ مِنْ هَذَا، أمَّا بالنِّسبَةِ لَكَ فأنْتَ فِي جَنَّةٍ بالنِّسبَةِ لعَذَاب النَّارِ، لأَنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى اليَهودِيَّةِ فأَنْتَ فِي النَّارِ، ويعتبر مَا فِيهِ اليَهودِيُّ الآنَ: جَنَّةً، لأنَّ هذا اليَهودِيَّ فِيمَا يَبْدُو لِي -وَاللهُ أعلَمُ- أنَّهُ يَنشُدَ الحَقِيقَةَ، يُرِيدُ الحَقِيقَةَ، فلمَّا بيَّن لَهُ ابْنُ حَجَرٍ هَذَا قَال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وأَنَّ محُمَّدًا رَسُولُ اللهِ (٢).

سُبْحَانَ اللهِ! فالإنسَانُ العَاقِلُ الَّذِي يُرِيدُ الحَقيقَةَ لَاُ بدَّ أَنْ يَهتَدِيَ.

المُهمُّ: يقُولُ اللهُ عز وجل لمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشيَاءَ: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ﴾ قَال: مَا هَذَا إلَّا متَاعُ الحيَاةِ الدُّنيَا.

انْظُرْ: مَتَاع كَالمتَاعِ يَحمِلُهُ المُسافِرُ ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لأنَّ الدُّنيَا مَهْمَا طَالتْ بالإنْسَانِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الزَّوالِ، إمَّا أَنْ تَزُولَ الدُّنيَا عَنْهُ، وإمَّا أَنْ يَزُولَ هُوَ عَنِ الدُّنيَا، ولهَذَا قَال الشَّاعِرُ:

(١) أخرجه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، رقم (٢٩٥٦)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(٢) ذكر هذه القصة المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير (٣/ ٥٤٦).

تفسير العثيمين: الزخرف · الصفحة ١٤٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير العثيمين: الزخرفص ١٤٤