تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، فشبه النبي عليه الصلاة والسلام العلم بالميراث، وذلك أن الأب إذا توفي يرثه أبناؤه وبناته وزوجه والأقربون إليه، ففي تشبيه العلم بالميراث عدة معاني، من هذه المعاني:

أن أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو أكثرهم نصيباً في الميراث، كما أن أكثر الناس نصيباً من الأب المتوفى أقربهم إليه نسبا ًكالابن والبنت والزوجة، ثم يأتي بعد ذلك الأبعدون إليه.

كذلك أيضاً فيه إشارة إلى أنه لا يمكن أن يحوز العلم كله أحد؛ لأنه في المواريث منهم من يأخذ النصف، ومنهم من يأخذ الربع، ومنهم من يأخذ الثمن، ومنهم من يأخذ السدس، ومنهم من يشاركه غيره، ومنهم من ينفرد، كذلك العلم لا يمكن أن يحوزه واحد منفرداً من جميع الجهات؛ لهذا نقول: إن الإنسان يستكثر من العلم، وكلما كان أكثر أخذاً للعلم فليعلم أنه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ ميراثه ذلك. قال: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة))، هذا الحديث جاء في مسلمموصولاً من حديث أبي هريرة، وفيه إشارة إلى أن أيسر الطرق إلى مرضات الله وإلى جنته هو العلم؛ لأن العالم يختصر الأجور والثواب ورضا الله بأيسر الأعمال وأخصرها، يعرف فضائل الأعمال وغير ذلك، هذا وجه، وقد جاء في حديث عبد الله بن عباس في مسلم (أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج من عند جويرية أم المؤمنين عليها رضوان الله تعالى، وكانت جالسة في مصلاها بعد أذان الفجر، فخرج عليه الصلاة والسلام إلى صلاة الفجر، فما رجع إلا بعد ارتفاع الشمس، فقال النبي لما دخل عليها وهي جالسة في مصلاها: ما زلت في مكانك الذي تركتك عليه؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إني قلت أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت فيما قلت لوزنته -يعني: لفاق عليها- قالت: ما هن يا رسول الله؟ قال: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، ومداد كلماته، وزنة عرشه)، هذه الكلمات يقولها الإنسان ثلاثاً وهي أربع كلمات فتعدل ما يقوله الإنسان في جلوسه مثلاً في مصلاه من غيرهن.

إذاً: هذا فرع عن العلم أم يقوله الإنسان تخرصاً؟ فرع عن العلم.

فإذا عرف الإنسان مواضع العلم الذي يكسب به الأجور العظيمة، فهذا هو موضع التجارة الحقيقية، التاجر الحاذق الذي يضارب في الأسواق هو الذي يربح بالمال القليل مالاً كثيراً، كذلك العامل الذي يعمل الشيء القليل ثم يكسب شيئاً كثيراً هذا يوصف بالحذق والتوفيق، كذلك أيضاً الطائع الذي يعرف الثواب العظيم أجره أعظم.

والمرد بهذا هل الإنسان يعمل العبادة رغبة؟ لا ليس الأمر إلى رغبة الإنسان، بعض الناس يميل إلى نوع من

شرح كتاب العلم من صحيح البخاري · الصفحة ٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب العلم من صحيح البخاريص ٢٥