كان النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا عبد الله بن مسعود كان يتخول أصحابه ولا يخرج إليهم إلا كل خميس؛ لأنه يخشى السآمة عليهم، ولكن في ذلك الزمن الذين كانوا فيه، ذلك الزمن لا يوجد انفتاح للشر، ولو وجد انفتاح لزاد عبد الله بن مسعود، لماذا؟ حتى لا يتأثروا بالشر الوارد إليهم؛ ولهذا نقول: إذا زاد الشر يزيد الخير، وهذا من الحكمة والسياسة في أمر المدافعة، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة:251]، وإذا وجد الناس في غفلة، بعيدون مثلاً عن الشر، ولا يوجد لديهم مثلاً إسهاب في تلقي الشر يخفف عليهم؛ لأن الإنسان يداوي ويقاوم، كما يداوي الطبيب أمراض الأبدان التي ترد عليه أو تستشري كذلك أيضاً يداوي جهل الإنسان في عقولهم وقلوبهم.
... شرح حديث أنس: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)
والنبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن قال عليه الصلاة والسلام لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)، وكذلك أيضاً في حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى هنا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتيسير ونهى عن التعسير، وحث على التبشير لا التنفير.
وهنا نقول: إن التيسير المراد به هو التيسير الذي يسر به النبي عليه الصلاة والسلام، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، إذاً: أصل الشريعة تيسير، فالإرادة المذكورة في قول الله عز وجل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185] هي الإرادة الشرعية، أي: أن أصل الشريعة يسر وسماحة؛ ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عبد الله بن عباس: (إنما بعثت حنيفية سمحة)، وهل التيسير ذوقي وحسي -يعني: بذوق الإنسان وحسه- أم هو شرعي؟ الأصل فيه أنه شرعي لا إلى ذوق الإنسان، ولو كان إلى ذوق الإنسان لقال: والله صلاة الظهر أربع اليسر أن تكون اثنتين اليوم، هذا تيسير حسي وذوقي خاص بالإنسان أم بالشريعة؟ خاص بالإنسان لهذا لا يصح مثل هذا الأمر،؛ وكثير من الناس يستعملون مصطلح اليسر بالدين وفق أذواقهم لا وفق الشريعة، ويستعملون الوسطية وفق أذواقهم لا وفق الشريعة، ويتعاملون مع الوسطية بمفهوم يختلف عن مراد الله عز وجل ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة عليها رضوان الله تعالى: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) إذاً: اليسر المراد بذلك هو اليسر في المسائل الشرعية أو في أمور الناس الدنيوية؟ أمور الناس الدنيوية، لذا قال: (ما لم يكن إثماً)، يعني: ما لم يدخل في حمى الشريعة، أما إذا دخل في حمى الشريعة فلا، ولو كنت في ذاتك ترى أنه عسر عليك أن تمتثل وأن تعلم أن الله أراد بك خيراً.
فمثلاً: قد يرى الإنسان الحدود وتطبيقها فيقول هذه مشقة وعسر، لكن نقول: عليك أن تقوم بها وأن تمتثل لأنها يسر وأنت لا تعلم، يسر بالأمة ورحمة بها؛ ولهذا الله عز وجل جعل القصاص حياة أو جعله موتاً؟ جعله حياة للأمة به تحيا النفوس وتعصم وتحفظ الكرامات وغير ذلك، ولهذا نقول: إن مثل هذه الأمور