عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة.
... شرح حديث ابن مسعود: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة ... )
يقول: (مخافة السآمة علينا)، قد يقول قائل: كيف يسأم الإنسان من الخير؟ نعم يسأم من الخير، لا لذات الخير، بل لأنه في ذاته مفطور على السآمة، وموجود فيه السآمة والملل من الشيء الدائم؛ ولهذا نقول: إن الإنسان ينبغي أن يتخول الناس بالموعظة حتى لا يملوا ويكرهوا الحق لا لذاته وإنما لكثرة وروده على مسامعهم أكثر مما ينبغي.
وهذا أمر ينظر إليه من جهات:
منها: أن ينظر الإنسان إلى حال المتعلمين، إذا كان هذا الأمر قد استقر لديهم علماً وعملاً لا يحتاج إلى الإكثار منه عليهم، وإنما يعلمهم بين وقت وآخر حتى لا ينسوا، وينوع في هذا الأمر، لكن إذا كان غير مستقر فيهم، بل هم مفرطون فيه هل يقول: لا أريد أن يسأموا؟ لا؛ لهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو كفار قريش إلى التوحيد، ونوح عليه السلام يدعوهم ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً؛ لأنهم ما امتثلوا؛ لهذا يحتاج إلى تكرار ولو سئموا وملوا، ولكن الذي يتوقع منه خشية الإملال هو الذي اتبع وانقاد وسمع فلا تكثر عليه.
كذلك أيضاً ينبغي للإنسان أن يتخول حتى المعرض في المواضع التي يحسن سماعه إليه فلا يؤتى إليه في موضع هو فيه منشغل الذهن أو غاضب أو نحو ذلك؛ ولهذا نوح عليه السلام خاطبهم في جميع الأوقات لإقامة الحجة، دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا [نوح:5] سراً وجهاراً، يعني: بالإسرار على سبيل الانفراد، يأتيهم واحداً واحداً، يأتيهم في الأماكن العامة، يأتيهم في الليل ربما كانوا منشغلين بكسب الرزق في النهار، يأتيهم في النهار، ربما يكونون في الليل يحتاجون إلى النوم والراحة والدعة أو يسمرون أو نحو ذلك، فنوع في تلك الأوقات حتى يقيم الحجة عليهم.
كذلك أيضاً فإنه ينظر إلى حال الناس من جهة التخول بحسب ما يرد عليهم من مقاومة ذلك الخير، في زماننا كثرت مطارق الشر على الناس، وفي وسائل الإعلام أصبح يغزو الإنسان في كل موضع حتى في طريقة، كان في السابق وسائل الإعلام ربما لا يكون مع الإنسان شاشة التلفاز في منزله، الآن في هاتفه النقال، في أي مكان، ربما تكون شاشات المتابعة والتلفزة في أجهزته النقالة فيرى في كل مكان، إذاً: ينبغي أن يؤتى الخير تعليماً ومقاومة أيضاً للشر، كما يسهب الشر يسهب في أمر الخير، ولا يقال تكون كما