[(ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم)].
ثم كرر النهى عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم، تأكيدا عليهم، وإظهارا لعظم ما يركب منه، (فتزل قدم بعد ثبوتها) فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها، (وتذوقوا السوء) في الدنيا بصدودكم (عن سبيل الله) وخروجكم من الدين. أو: بصدكم غيركم، لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا، لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها، (ولكم عذاب عظيم) في الآخرة.
[(ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون)].
كأن قوما ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين، وإيذائهم لهم، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثبتهم الله، (ولا تشتروا) ولا تستبدلوا
قال الإمام: اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء بالعهد وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنه تعالى بحكم الإلهية يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. يريد أن قوله: (لو شاء الله) الآية، دخلت معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، أعني قوله: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) توكيد لمعنى الابتلاء، وأنه بحم الإلهية يختبر القليل الضعيف القديم بالقوي الكثير ذي الشوكة كما أشار إليه بقوله: "هي أزيد عددا وأوفر مالا" إلى آخره، كما أنه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقوله: (وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) مقابل لقوله: (ولتسألن عما كنتم تعملون).
قوله: (أن ينقضوا ما بايعوا)، متعلق بقوله: "زين لهم الشيطان".