تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(أذلة): جمع ذليل، وأما ذلول فجمعه: ذلل، ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه أن ذلولا لا يجمع على أذلة.

فإن قلت: هلا قيل: أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قوله عز وجل: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) [الفتح: 29] وقرئ: (أذلة) و (أعزة) بالنصب على الحال. (ولا يخافون لومة لائم) يحتمل أن تكون الواو للحال؛ على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود - لعنت - فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط .........

قوله: (والثاني: أنهم مع شرفهم) يعني استعير ﴿على﴾ بدل اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة، وإلى المبالغة أشار بقوله: "خافضون لهم أجنحتهم" وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [الإسراء: 24]، وإنما قال: "مع شرفهم وعلو طبقتهم" ليؤذن بمعنى التكميل، فإنه لما قيل: ﴿أذلة على المؤمنين﴾ أوهم أنهم أذلاء محقرون مصغرون، فكمل بقوله: ﴿أعزة على الكافرين﴾ بمعنى أنهم مع عزتهم وعلو طبقتهم متواضعون مبالغون فيه لمن يجب أن يتواضع له، نحوه قول الشاعر:

جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألم فهم خفوف

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ٥ · ص ٣٩٦