تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# قوله: (إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا)؟ قلت: الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه، فنفي عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من الله كما قال: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [البقرة: 195]. (فإذا قضيتم الصلاة): فإذا صليتم في حال الخوف والقتال (فاذكروا الله): فصلوها (قياما): مسايفين

عليهم، فإذا الأمر والنهي معللان عن الوعد باعتزاز المؤمنين، وحاصله أن قوله: ﴿وخذوا حذركم﴾ وقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 195] من الكلام الذي له معنيان: قريب وبعيد، والمراد بعيد منهما، فإن قوله: ﴿وخذوا حذركم﴾ المعنى القريب منه: التحرز عن العدو بسبب شوكته وإعزازه والبعيد منه: القيام بأمر الجهاد وربط الجأش في القتال، وأريد منه هذا الثاني؛ ولذلك علل بقوله: ﴿إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾، يعني: إنما شرع الأمر بأخذ الحذر لإقامة الجهاد مع العدو، والتحفظ في الحرب؛ ليهين الله العدو وينصركم عليه.

قوله: (واعتزازه). الأساس: تعزز لحم الناقة: اشتد وصلب، وأنا معتز ببني فلان ومستعز بهم، وقوله تعالى: ﴿فعززنا بثالث﴾ [يس: 14]: قوينا.

قوله: (﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾: فإذا صليتم)، فالقضاء إذن بمعنى الأداء؛ لمجيء قوله: ﴿فإذا اطماننتم﴾ عقيبه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا اطمأننتم وأمنتم فاقضوا ما صليتم"، فالقضاء ليس بمعني به في مذهب الشافعي رضي الله عنه، قال القاضي: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ أي: إذا أرتم أداء الصلاة واشتد الخوف فصلوها كيفما أمكن، ﴿فإذا اطماننتم﴾ أي: سنت قلوبكم من الخوف؛ ﴿فأقيموا﴾ أي: فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها وأتوا بها تامة. وقال الأزهري: القضاء: على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله وأتم وختم أو أدى أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضي فقد قضي، فالقضاء موضوع للقدر المشترك بين هذه المفهومات، وهو انقطاع الشيء في النهاية.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ٥ · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ٥ · ص ١٤٤