# تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، تريد نفي اعتداده به وإحسانه إليه (ولا يزكيهم): ولا يثنى عليهم. فإن قلت:
أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه؟ قلت: أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية، لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الإحسان
مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.
(لفريقا) هم كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف وحيى بن أخطب وغيرهم (يلوون ألسنتهم بالكتاب) يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف
مسد هذا المعنى، ثم عقبت بقوله: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) كالبيان لذلك المبهم، فأوجب ذلك عود الضمير إلى الله تعالى.
قوله: (ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر) يعني: كان في بدء استعماله فيمن يجوز عليه النظر، وهو الإنسان، عبارة عن الاعتداد والإحسان؛ لأن من اعتد بالغير التفت إليه، وإنما كان كناية لأنه لا ينافي إرادة حقيقته، ثم كثر استعماله في هذا المعنى حتى صار علما لهذا المعنى، ثم جاء في حق الله لمجرد معنى الإحسان من غير أن يكون ثمة نظر بناء على مذهبه، وهذا التجريد لمعنى الإحسان وارد على سبيل المجاز عن الشيء الذي وقع كناية عنه في الإنسان، وهو عدم الاعتداد. وعندنا: يجوز أن يطلق النظر على الله تعالى بالحقيقة كما يليق بجلاله، وبيان المجاز: أنه شبهت حالة معاملة الله مع هؤلاء الناقضين للعهد بحالة معاملة من لا يكلم صاحبه ولا ينظر إليه بجامع عدم الاعتداد وقطع الإحسان، ثم استعمل هنا كما كان مستعملا هناك.
قوله: (يفتلونها بقراءته عن الصحيح). الأساس: فتلته عن حاجته: صرفته، فانفتل، وانفتل عن الصلاة، ولوى الشيء فالتوى، وبلغوا ملتوى الوادي: منحناه، وكلمته فالتوى رأسه.
قوله: (إلى المحرف) أي: يفتلون الألسنة في القراءة لتصير الصحيحة محرفا ويحسب المسلمون أن المحرف من التوراة فيلتبس عليهم الأمر، كما قال تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق) [البقرة: 42].