أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه، وان الروم غزوا أهله فخربوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا. وقيل: منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. فإن قلت: كيف قيل (مساجد الله) وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت لا بأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصا، كما تقول لمن آذى صالحا واحدا: ومن أظلم ممن آذى الصالحين، وكما قال الله عز وجل: (ويل لكل همزة لمزة) [الهمزة: 1]، والمنزول فيه الأخنس بن شريق. (وسعى في خرابها) بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان، وينبغي أن يراد ب "من منع" العموم كما أريد بمساجد الله، ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى أو المشركين. (أولئك) المانعون (ما كان لهم أن يدخلوها) أي: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله (إلا خائفين)، على حال التهيب وارتعاد الفرائض من المؤمنين
والثاني: خاص بالمشركين وبالمسجد الحرام، والسؤال: "كيف قيل: مساجد الله؟ " وارد على هذين الوجهين.
والثالث: عام وهو أوفق لتأليف النظم لقوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) [البقرة: 115]، ولهذا قال: "إنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجدا".
قوله: (لا بأس أن يجيء الحكم عاما، وإن كان السبب خاصا 9 فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله: (ممن منع) على العموم، كما أن "مساجد الله" عام، فإن الجمع إذا أضيف صار عاما ليتطابقا، ويلزم العمل بالدليلين، فظهر أن الوجه الثالث أرجح الوجوه، وأظهر، وللتأليف أوفق كما سبق.
قوله: (وارتعاد الفرائص)، الجوهري: الفريصة: اللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال