كما يقال: أهلك فلان نفسه بيده، إذا تسبب لهلاكها، والمعنى: النهى عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو، .....
قوله: (والمعنى: النهي عن ترك الإنفاق ... أو عن الإسراف في النفقة)، فالآية على هذا تذييل لقوله: (وأنفقوا في سبيل الله)، وقوله: (وأنفقوا) تكميل لقوله تعالى: (وقاتلوا)، وإنما احتملت الآية الضدين؛ لأن اليد تستعمل في الإعطاء والمنع بسطا وقبضا، قال الله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) [الإسراء: 29].
والإنفاق طرفان: الإفراط، وهو التبذير، والتفريط، وهو الإمساك، والقصد هو السخاء، فقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) يحتمل النهي عن الطرفين المذمومين، ومن ثم فسرها بهما.
قوله: (أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو)، فعلى هذا الآية تذييل لقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)، فكذا تحتمل الآية الضدين، فإن اليد تستعمل في القدرة قوة وضعفا، ومن ثم فسر قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [التوبة: 29] بهما، أي: يعطوها إياكم صادرة عن يد استيلاء وقدرة وقوة لكم عليهم، أو: يعطوها إياكم صادرة عن انقياد وطاعة منكم.
وللجراءة أيضا طرفان: الإفراط وهو التهور، والتفريط وهو الجبن، والقصد هو الشجاعة والنهي في الآية يحتمل الطرفين المذمومين.
ولله در المصنف ولطيف إشارته، والتفسير الأول أحسن وأولى لقوله تعالى بعده: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، ولما ورد في "صحيح" البخاري عن حذيفة رضي الله عنه: (ولا تلقوا بأيديكم): نزلت في النفقة.