وسقط القصاص، ولم تجب إلا الدية (فاتباع بالمعروف): فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع. وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعا، يعنى: فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة، وليؤد إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بأن لا يمطله ولا يبخسه. (ذلك) الحكم المذكور من العفو والدية (تخفيف من ربكم ورحمة)؛ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو، توسعة عليهم وتيسيرا (فمن اعتدى بعد ذلك) التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية؛ فقد كان الولي في الجاهلية
قوله: (لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية)، قلت: أما تحريم أخذ الدية فصحيح، لما روينا عن البخاري والنسائي عن ابن عباس: "كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) الآية"، وأما تحريم العفو فمنظور فيه لقوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) إلى قوله: (فمن تصدق به فهو كفارة له) [المائدة: 45]، وقوله في "الأعراف" في تفسير قوله: (وامر قومك ياخذوا بأحسنها) [الأعراف: 145] "أي: فيها ما هو حسن وأحسن، كالاقتصاص والعفو".
قوله: (من قتل غير القاتل) "من" بمعنى "أجل"، أي: تجاوز ما شرع له من جهة قتل غير القاتل، ويجوز أن يكون بيانا لجملة قوله: "فتجاوز ما شرع له" ولا يجوز أن يكون بيانا ل "ما" لفساد المعنى.
قوله: (فقد كان الولي في الجاهلية): جملة مستطردة لبيان سبب النزول، استطرد بين تفسير الجزاء والشرط للاهتمام، والفاء لشدة الاتصال.