تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: (اذكروا نعمتي) إلى (واستعينوا). (لكبيرة): لشاقة ثقيلة من قولك: كبر على هذا الأمر، (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) [الشورى: 13]. فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم)؟ أي: يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه. وفي مصحف عبد الله: يعلمون. ومعناه: يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك

من الصبر، لأنها تجمع ضروبا من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة؛ ولهذا قال تعالى: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين)، وأما الصلاة التي تخف على غير الخاشع فمسماة باسمها وليست في حكمها، بدلالة قوله عز وجل: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) [العنكبوت: 45] وقلما ترى صلاة غير الخاشعين تنهى عن الفحشاء والمنكر، ونظيره في رد الضمير: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) [الجمعة: 11] أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سببا في الانفضاض.

قوله: (لأنهم يتوقعون) معللة مقدر؛ لأن تقدير السؤال: ما للصلاة لم تثقل على الخاشعين، والحال أن الخشوع في الصلاة في نفسه ثقيل كما علم من قوله: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) [المؤمنون: 2]، وما يكون ثقيلا في نفسه كيف يكون سببا لخفة صلاتهم؟ وأجاب: إنما يكون سببا لخفة صلاتهم "لأنهم يتوقعون" إلى آخره.

قوله: (أي: يتوقعون لقاء ثوابه) مذهبه قال في "يونس" في قوله تعالى: (قال الذين لا يرجون لقاءنا) [يونس: 15]: كيف جاز النظر على الله وفيه معنى المقابلة!

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ٢ · الصفحة ٤٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ٢ · ص ٤٦٦