# ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، (وما كانوا مهتدين): لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.
[(مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون* صم بكم عمي فهم لا يرجعون)].
لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان
لا يقال)) عطف على التعليل، والتقدير: لم يوصفوا بإصابة الربح، ولأنه لا يقال، يعني أن قوله: (فما ربحت تجارتهم): إما أن يحمل على الخسران، أو على عدم الربح، وإلى الأول الإشارة بقوله: ((لأن الضال خاسر دامر))، وإلى الثاني بقوله: ((لمن لم يسلم)) إلى آخره لأنه يصح عرفا أن يقال لمن ضيع رأس ماله: إنه ما ربح، كما يصح أن يقال: إنه خسر. ثم في تخصيص ذكر نفي الربح في التنزيل، مع تضييع رأس المال لطيفة، وهي تصوير خيبتهم، وتخييل فوت مطلوبهم، وفي انضمام (وما كانوا مهتدين) إليه تجهيل أمرهم وتسفيه رأيهم وسلب رشدهم.
قوله: (لما جاء بحقيقة صفتهم) يعني أن قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) [البقرة: 8] إلى هنا جار مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين. فلما فرغ منها عقبها ببيان تصوير تلك الحقيقة، وأبرزها في معرض المشاهد المحسوس تتميما للبيان، ونعم ما قال القاضي: التمثيل إنما يصار إليه لرفع الحجاب عن المعنى الممثل له، ليبرزه في صورة المشاهد ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم؛ لأن من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال.