# فإن قلت: هذا إذا زعمت أن الذين يؤمنون جار على المتقين، فأما إذا ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين، ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم، كان مثل تلك الآي المتلوة. قلت: قد مر لي أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله الاستئناف، وأنه مبنى على تقدير سؤال،
الاستطراد لذكر المؤمنين، وكون الكتاب هاديا لهم كما قال صاحب المفتاح: هذا كما يكون في حديث ويقع في خاطرك بغتة حديث آخر بينهما جامع، لكن غير ملتفت إليه لبعد مقامك عنه، ويدعوك إلى ذكره داع، فتورده مفصولا.
قوله: (كان مثل تلك الآي) يعني قوله: (إن الأبرار لفي نعيم* وإن الفجار لفي جحيم) [الانفطار: 13 - 14] ونحوها لانقطاعها عما قبلها، وابتداء جملة أخرى متآخية لما بعدها بالتقابل، فإذن لا يمتنع إدخال العاطف بينهما.
وخلاصة الجواب: أن (إن الذين كفروا) الآية [البقرة: 6] ليست على منوال (الذين يؤمنون بالغيب) [البقرة: 3] لا صفة ولا استئنافا كما سبق. نعم، هي واردة على الاستئناف استطرادا لا مدحا، لأن "إن" مستدعية للطلب أو الإنكار، لكونها لتأكيد النسبة كأنه لما قيل: إن الكتاب هاد للمتقين، وموصل لهم إلى مباغيهم، تردد السامع في هذا الاختصاص قائلا: لم اختص المتقون بتلك الهداية؟ وما بال الكفرة محرومين عنه؟ فقيل: لأن الذين كفروا مصرون على كفرهم، وأن الله ختم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. والحاصل: أن هذه الآية تابعة للتابع وهو "الذين يؤمنون" لا صفة للكتاب، لأنها لا يصلح للتمدح بها مثلها، فتدبر.