يعني: أن أمر الشفاعة ضيق، وذلك أن الملائكة مع قربتهم وزلفاهم وكثرتهم واغتصاص السموات بجموعهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئا قط ولم تنفع، إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلا لأن يشفع له، فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم؟ !
[﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى * وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا * فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى﴾ 27 - 30].
﴿ليسمون الملائكة﴾ أي كل واحد منهم ﴿تسمية الأنثى﴾ لنهم إذا قالوا: الملائكة بنات الله، فقد سموا كل واحد منهم بنتا، وهي تسمية الأنثى ﴿به من علم﴾ أي: بذلك وبما يقولون. وفي قراءة أبي: (بها)، أي: بالملائكة، أو التسمية. ﴿لا يغني من الحق شيئا﴾ يعني: إنما يدرك الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن، لا بالظن والتوهم. ﴿فأعرض﴾ عن دعوة من رأيته معرضا عن ذكر الله وعن الآخرة ولم يرد إلا الدنيا، ولا تتهالك على إسلامه، ثم قال: ﴿إن ربك هو أعلم﴾ أي: إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب، وأنت لا تعلم، فخفض على نفسك ولا تتعبها، فإنك لا تهدي من أحببت، وما عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى: ﴿ذلك مبلغهم من العلم﴾ اعتراض، أو فأعرض عنه ولا تقابله، إن ربك هو أعلم بالضال والمهتدي، وهو مجازيهما بما يستحقان من الجزاء.
قوله: (إنما يدرك الحق) قال القاضي: الحق الذي هو حقيقة الشيء؛ لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية، وإنما العبرة به في العمليات وما يكون وصلة إليها.