تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأجاب أن مقتضى كلمة الاستدراك حاصل من حيث المعنى اشتمال الكلام على فوائد جمة، أما قوله: ﴿لم تؤمنوا﴾ فتكذيب لدعوتهم ودفع لما انتسبوا إليه، يعني: ادعيتم بقولكم: "آمنا": أننا أحدثنا الإيمان، وهو كذب محض، لأنه ما صدر منك الإيمان قط، وقوله: ﴿قولوا أسلمنا﴾: أمر بالاعتراف بما أحدثوا من الانقياد ظاهرا من غير مواطأة من القلب.

ثم في كل من القرينتين عدول من أصل؛ أما الأولى: فإن الأصل أن يقال: "كذبتم"، أو "لا تقولوا: آمنا"، لتوافق قرينتها، فعدل من "كذبتم" إلى ﴿لم تؤمنوا﴾؛ لئلا يلبسوا لمن يكافحهم به جلد النمر، على أن المطلوب حاصل بأبلغ وجه، لأن الآية التالية مقابلة لهذه، وفيها: ﴿أولئك هم الصادقون﴾ تعريضا بأن هؤلاء هم الكاذبون، على سبيل الحصر، ويحصل من ذلك ذمهم ومدح من يضادهم على سبيل البت والقطع، وهو المراد من قوله: "ورب تعريض لا يقاومه التصريح".

وعدل من "لا تقولوا: آمنا" إلى ما عليه التلاوة، لنه لو قيل: "لا تقولوا: آمنا"، لا ستهجن من الشارع، لأنه لم يبعث إلا للدعوة إلى الإيمان، لا للنهي عنه، وإلى معناه ينظر قول الفرزدق:

ما قال "لا" قط إلا في تشهده .... لولا التشهد لم ينطق بذاك فم

وأما القرينة الثانية: فإنها أيضا مشتملة على نكتة، لأن مقتضى الظاهر_ على ما جاء في السؤال_ أن يقال: "أسلمتم"، ليطابق: ﴿لم تؤمنوا﴾، فعدل إلى: ﴿قولوا أسلمنا﴾؛ ليعلمهم أن اللائق بحالهم أن يقال لهم: "قولوا: أسلمنا"؛ ليؤذن بأن تلك الدعوى باطلة، وأنها بمجرد اللسان،

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ١٤ · الصفحة ٥١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ١٤ · ص ٥١١